الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٦٨فكثر الطاعنون فيه، وزادت الوِشايات خاصَّة من وزراء المعزِّ. ويُذكر أنَّ أبا القاسم كان يتحدَّث يوماً مع يهودي في أمر "المعزّ" فقال له أبو القاسم: «ليس بيننا وبينه إلاَّ يسير، فنقوم عليه ونخرجه من تلك المدينة إنْ شاء الله».(1) ويقصد بذلك مدينة "القيروان" فما كان من اليهودي إلاَّ أنْ أبلغ المعزَّ بالحوار الذي جرى بينهما.
وممَّا زاد في خشية "المعزّ" أنَّ أبا القاسم كان كلَّ ربيع يخرج رفقة المشايخ إلى مواطن "مزاتة" التي كانت لهم بها قوَّة كبيرة قدِّرت باثني عشر ألف فارس، إضافة إلى أنَّ وزراءه كانوا يحذِّرونه من خروجه عليه.(2)
ولمَّا كثرت التحذيرات أرسل المعزّ إلى عامله بمدينة "الحامة" يأمره بقتل أبي القاسم ويبعث له برأسه، قبل أنْ يستفحل أمره فتباطأ العامل في تنفيد الأمر، لأنَّه كان من المعجبين بأبي القاسم، ونصحه بأنْ يمضي إلى الحج حتَّى يتَّقي شرَّ المعزّ، إلاَّ أنَّ نصيحته قوبلت بالرَّفض. ولمَّا أتاه أمر آخر يستعجله، أشار عليه العامل بالسفر إلى وارجلان، والإقامة هناك بين إخوانه فرفض مرَّة أخرى. ولمَّا تباطأ العامل مرَّة أخرى وصله كتاب يهدِّده ويخيِّره بين رأسه ورأس أبي القاسم، فلمَّا أحسَّ العامل بأنَّه هالك لا محالة إذا لم ينفِّذ الأمر، أغلق على نفسه الباب حتَّى لا يرى صاحبه يقتل بسيوف الجند.(3)
وتبالغ المصادر الإبَاضِيَة في وصف دفاع أبي القاسم عن نفسه بخنجر، وأنَّه استطاع التغلُّب على أفراد الحملة في البداية. وفي نهاية الأمر قتل وتمَّ القبض على أحد أصدقائه ويدعى "أبا محمَّد ويسلان"(4) وزُجَّ به في السجن.(5)
2 - التحضير للثورة:
كان مقتل أبي القاسم ذا أثر عظيم في أهل الدعوة، واغتاظ الإبَاضِيَة من ذلك فقام كلٌّ من أبي خزر وأبي نوح بمشاورة أهل الدعوة، وخرج أبو نوح إلى طرابلس وجبل نفوسة ليشاورهم فيما يعملونه فأعربوا له عن ضعفهم بعد موقعة "مانو"(6)، إلاَّ أنَّهم مستعدون إذا ما تهيَّأت الأمور واتَّحد الإبَاضِيَة. كما حلَّ
(1) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 124.
(2) - الدَّرجيني: نفس المصدر والجزء والصفحة.
(3) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 139.
(4) - هو أبو محمَّد ويسلان (أو واسلان) بن يعقوب المزاتي من علماء الطبقة الثامنة (350 - 400هـ) (962 - 1010م) كان في بداية حياته راعياً للغنم، ثمَّ التحق بتلامذة القرآن في أيَّام أبي القاسم يزيد بن مخلد، ثمَّ تعلَّم علم الكلام ولمَّا أخذ قسطاً وافراً من العلم سافر إلى جبل نفوسة. وهناك قضى سبع سنين في دراسة كتب الفقه، انظر: الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 369 - 372.
(5) - أبو زكرياء: المصدر السابق، ج 1، ص: 139.
(6) - وقعت هذه المعركة سنة 383هـ حين قام ابراهيم بن احمد من بني الأغلب (261 - 289هـ) (874 - 902م) بالهجوم على قبيلة نفوسة لأنَّها لم تسمح له بالمرور على أرضها لملاقاة ابن طولون الذي شنَّ حملة على بلاد المغرب. وقد انهزمت نفوسة هزيمة ساحقة. انظر: الباروني: الأزهار الرياضيَّة في أئمَّة وملوك الإبَاضِيَة، ج 2، تحقيق محمَّد علي الصليبي، مطابع العالميَّة الطبقات: 1، عُمان 1987، ص: 342 - 343.