الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٧٠

وأبي نوح. أمَّا التلاميذ الذين كانوا معهم فقد قتلوا عن آخرهم. ولمَّا علم أهل الزاب ووارجلان بما وقع لإخوانهم، عادوا من حيث أتوا، وكانوا قد وصلوا موضعاً يبعد مسيرة نصف يوم فقط عن باغاية. وبعد هذه الهزيمة فرَّ أبو خزر إلى جبل نفوسة بعد أنْ اختفى أربعين يوماً في جبل "تَلَتْمَاجَرْتْ"(1) رفقة أبي محمَّد يوجين.(2)

أمَّا أبو نوح فقد تنكَّر في هيئة رعاة الإبل ولمَّا أنفذ المعزّ العسكر في طلب الشيوخ الذين تزعَّموا الخروج وجدوه يرعى الإبل فأخذوه وطافوا به في أسواق المدينة ثمَّ ألقِيَ به في السجن، لأنَّ الخليفة كان يعتقد أنَّه هو الذي راسل بني أمِّية.(3)

كما أنفذ المعزّ يوسف بن زيري وجعفر بن علي للبحث عن أبي خزر. ولمَّا علم المعزّ بمكان إقامته أرسل إليه الأمان. فسار إلى القيروان ودخل على المعزّ في الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة 359هـ (969م) حيثُ رحَّب به وَرفع منزلته وأدنى مجلسه، وسنى قدرُه، وشاع في الفضائل ذكرُه، وأمر له بحلَّة جزيلة، وخلع عليه خلعة نفيسة جليلة، وكان مجلسه على سريره دون جميع الجلساء».(4)

وحين عَزم المعزُّ على الانتقال إلى مصر أراد أنْ يصحب في رحلته كلاًّ من أبي خزر وأبي نوح. فلمَّا كلَّمهما في ذلك أبدى أبو خزر رغبته في السفر إلى القاهرة، بينما فضَّل أبو نوح البقاء في المغرب.(5)

ولمَّا علم الإبَاضِيَة بخروج أبي خزر في طريقه إلى مصر جاؤوا لتوديعه من لماية والقيروان. وجاءه من جربة عدد من العلماء من بينهم العالم أبو زكرياء: فصيل بن أبي مسور(6) الذي أراد أنْ يعرف منه مسائل أشكلت عليه. وعند وصوله

(1) - هو جبل يقع في جبل نفوسة بليبيا، انظر: الشماخي: السير، ص: 351.

(2) - نفس المصدر، ص: 351،

IDRIS: La berbérie musulmane، pp 29 - 30.

أمَّا أبو محمَّد يوجين فلا نعرف عنه الكثير سوى أنَّه من علماء الطبقة التاسعة (450 - 500ه) (1059 - 1106م)، انظر: الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 405.

(3) - للتأكُّد من تلك المراسلة قام يهودي بإحضار ورق ومحبرة إلى أبي نوح وطلب منه أنْ يكتب طلب عفو للخليفة، ويعتذر له عمَّا حدث. والهدف من ذلك هو المقارنة بين الكتابين لكن أبا نوح تنبَّه للخديعة وقام بتغيير خطَّه. ولمَّا أحضروه إلى مجلس المعزّ للتحقيق معه، دافع أبو نوح عن نفسه دفاعاً ذكيًّا حتَّى سرَّ المعزّ بكلامه وممَّا قاله للمعز: «كيف نكاتب بني أمية ونأمنهم، وقد علمت ما بيننا وبينهم يوم الدار ويوم الجمل وصفين. وهم الشجرة الملعونة التي ذكر الله في القرآن»، انظر: الشماخي: المصدر السابق، ص: 352.

(4) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 136.

(5) - الشماخي: السير، ص: 354.

(6) - من علماء الطبقة الثامنة (350 - 400هـ) (962 - 1010م) كان يسكن جربة ممتهنا التعليم. يقول: عنه الدَّرجيني: «إنه كان يصرف على تلاميذه حيث يجعل الدراهم في القراطيس والصرر ثمَّ يعلِّقها في ألواح التلاميذ. فلمَّا مات انقطع عن التلامذة ماكانوا يأخذونه من دراهم» انظر: الطبقات، ج 2، ص: 361 - 364.

٦٦ / ١٨١