الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٧١مصر سمع علماؤها بقدوم أبي خزر. وكان قد شاع عندهم أنَّ أبا تميم وصل ومعه عالم من المغرب، فجاؤوا ليناظروه ويستفيدوا من علمه الغزير. كما أنَّ المعزّ زاد في إكرام أبي خزر وأقطعه الديار والعقَّارات والمستغلاَّت. ولمَّا توفي المعزّ سنة 365هـ (975م) تنكَّر له خليفته العزيز بالله نزار (365 - 386هـ) (975 - 996م)(1)
أمَّا أبو نوح فقد انتقل إلى وارجلان حيث رحَّب به كبار شيوخها أمثال أبي صالح جنون بن يمريان وجمعوا له المال حتَّى يضمنوا له حياة كريمة. ويظلّ بينهم يستفيدون من علمه الغزير. وبعد سنوات قضاها في التدريس بمسجد "جنون" عاد إلى إفرِيقِيَّة.(2)
كانت هذه الثورة آخر ثورة قام بها الإبَاضِيَة في بلاد المغرب وبعد هذه المحاولة الفاشلة تحوَّل الإبَاضِيَة ثانية إلى الكتمان، وتقلَّصت أعدادهم بإفرِيقيَّة حيث نزحوا إلى الصحراء سواء إلى بلاد الجريد أو وارجلان.
ومهما يكن من أمر فإنَّ عصر المعزّ يعتبر عصر أمان في بلاد المغرب. فقد قلَّت الثورات خاصَّة بعد تأديب الثائرين أمثال بني كملان وبعض قبائل هوارة. وخير وصف لهذا الأمان ما ذكره ابن خلِّكان حيث قال: «لم يبق بلد من هذه البلاد إلاَّ أقيمت فيه دعوته، وخطب له في جمعته وجماعته إلاَّ مدينة سبتة.(3) فإنها بقيت لبني أمية أصحاب الأندلس».(4)
4 - نتائج ثورة الوهبية:
من نتائج هذه الثورة، أنَّها بيَّنت مدى تماسك الإبَاضِيَة الوهبية سواء في بلاد المغرب الأوسط أو إفرِيقِيَّة. كما أنَّ هذه الثورة لم يتمّ التحضير لها تحضيرا جيِّداً، لأنَّ الإبَاضِيَة كانوا في حالة من الضعف لا تسمح لهم بمعاداة الدولة.
وقد رأينا أنَّ إبَاضِيَة نفوسة أعربوا عن ضعفهم، لكنَّهُم لم يبخلوا بالمساعدة، ودلَّت هذه الثورة على التسرُّع من جانب ابن خزر وخيانة مزاتة التي انحرفت عن المذهب الإبَاضِي وعدَلت عن مساعدة إخوانها، بعد أنْ كانت الساعد الأيمن للإبَاضِيَة.
2 - علاقات الإبَاضِيَة ببني زيري وبني حماد:
اتَّبع بنو زيري في البداية سياسة التسامح مع مختلف المذاهب الدينيَّة الموجودة في بلاد المغرب. ورغم هذا التسامح إلاَّ أنَّ الصراع ظلَّ باقياً بين المذاهب خاصَّة بين المالكيَّة والشيعة. وبفضل بلاء المالكيَّة وصمودهم منذ الخلافة الفاطميَّة أصبح
(1) - نفس المصدر، ص: 139 - 143، الشماخي: المصدر السابق، ص: 355 - 356.
(2) - الشماخي: السير، ص: 357 - 358.
(3) - تقع هذه المدينة في آخر بلاد المغرب غرباً، يصفها ابن حوقل بأنَّها مدينة لطيفة على نحر البحر بها بساتين وبها معدن المرجان. انظر: صورة الأرض، ص: 79.
(4) - ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء الزمان، ج 1، تحقيق إحسان عبَّاس، دار الثقافة، بيروت 1968، ص: 225.