الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٧٢المذهب المالكيُّ مذهب الغالبيَّة وأصبح محتَّماً على الدولة أنْ تأخذه بعين الاعتبار.
وقد استفاد الإبَاضِيَة من هذه المهادنة وحَظِيَ بعض شيوخ الإبَاضِيَة الوهبية بمنزلة رفيعة منهم أبو نوح الذي كان المنصور(1) يحسن إليه ويكرِم مثواه، ويفضِّله على كثير من جلسائه وأصحابه.(2)
كما كان مقدَّم "بني درجين" "ويجنين بن وريغول"(3) مقرَّباً من المنصور، الذي كان يجمع في مجلسه العلماء من مختلف المذاهب الإسلاميَّة. فالشماخي يحدِّثنا عن مجلس من هذه المجالس حضره كلٌّ من أبي نوح من الإبَاضِيَة الوهبية وبعض المعتزلة والنكارية.(4)
كان الوهبيَّة والصنهاجيُّون مرتاحين لهذه الزيارات التي كان شيوخ الإبَاضِيَة يقومون بها للصنهاجيين. فكان منهم من يقدِّم الهدايا لأمراء صنهاجة رغبة في التقرُّب منهم. فهذا محمَّد بن عبد الله بن أبخت حفيد "أبي باديس أبخت بن باديس" الزناتي(5) أهدى للمعزِّ بن باديس(6) مهرين، أعجب بهما المعزّ كثيراً وأكرم صاحبهما.(7) لكن بعض وزراء المعزّ حذَّروه منه، وطعنوا فيه رغبة في القضاء عليه.(8)
ويلاحظ أنَّ مرحلة التسامح المذهبي لم تدم طويلاً، فسرعان ما بدأ بنو زيري في محاربة المذاهب عدا المالكيَّة، ذلك أنَّ المذهب المالكي كان المذهب الغالب، بينما المذهب الشيعي كان مفروضاً على الناس. وقد مرَّ بنا أنَّ العديد من العلماء كانوا مناوئين للشيعة ويعتبرونهم كفرة.
وكان صمود علماء المالكيَّة وتمسُّك العامَّة بهم باعتبارهم أولياء الله الصالحين سبباً في اقتناع بنو زيري بضرورة ترك المذهب الشيعي حفاظاً على استقرار ملكهم.
(1) - هو منصور بن بلكين بن زيري (373 - 386هـ) (983 - 996م) تولَّى الحكم بعد بلكين بن زيري، انظر: لين بول: طبقات سلاطين الإسلام، ص: 43.
(2) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 147، باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، 143 - 144.
(3) - هو أحد شيوخ الإبَاضِيَة في قلعة بني درجين بإفرِيقيَّة عاش في القرن الرابع الهجري، كانت له علاقات طيِّبة مع المنصور بن بلكين بن زيري الصنهاجي. ونشير إلى أنَّ الدرجيني يسمِّيه "وحنين بن وريغول"، انظر: الدَّرجيني: نفس المصدر والجزء، ص: 145 - 146.
(4) - الشماخي: السير، ص: 358 - 359.
(5) - هو أبو باديس أبخت بن باديس بن زيدان اليكشني من علماء القرن الثالث الهجري ولد في أواخر الدولة الرستميَّة. كان مهتمًّا بتربية الخيول والأنعام إلى جانب تدريس فتيان مزاتة حيث كان ينتقل بين أحيائهم في عناية شرق المغرب الأوسط. انظر: علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ج 4، ص: 151 - 158.
(6) - هو المعزّ بن باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد الحميري صاحب إفرِيقِيَّة (406 - 453هـ) (1015 - 1061م) تولَّى الإمارة بعد وفاة أبيه باديس ولقَّبه الحاكم بأمر الله شرف الدولة سنة 407هـ، انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 5، ص: 233 وما بعدها.
(7) - الوسياني: السير، (مخ) ورقة 45 - 46.
(8) - الشماخي: السير، ص: 383 - 384، علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ج4، ص: 156.