الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٧٣

وقد بلغت كراهية المالكيَّة للشيعة درجة كبيرة، فأصبحوا لا يحضرون صلاة الجمعة فراراً من دعوتهم. يقول ابن عذارى: «تمادى الأمر على ذلك حتَّى قطع أهل القيروان صلاة الجمعة، فراراً من دعوتهم، وتبديعاً لإقامتها باسمائهم. فكان بعضهم إذا بلغ إلى المسجِد، قال سرًّا: "اللهمَّ اشهد، اللهمَّ اشهد"، ثمَّ ينصرف فيصلِّي ظهراً أربعاً إلى أنْ تناهى الحال حتَّى لم يحضر الجمعة من أهل القيروان أحد».(1)

ولم يكثف المالكيَّة بمقاطعة صلاة الجمعة بل أصبحوا يصَلُّون وحدهُم الصلوات الأخرى. يذكر ابن حوقل أنَّ "أهل السوس"(2) كانوا فرقتين مختلفتين مالكيَّة وشيعة، ولهم بالبلد مسجد جامع كلّ فرقة تصلِّي فيه لوحدها.(3)

ولمَّا تولَّى المعزّ بن باديس الحكم (406 - 453هـ) (1015 - 1061م) صار يتنكَّر للشيعة ويميل إلى أهل السنَّة(4) وأصبح ينكل بالشيعة جهراً. ففي سنة 409هـ (1018م) خرجت طائفة من الشيعة قاصدين المهديَّة للرُّكوب منها إلى "صقلية". وعند وصولهم إلى إحدى القرى انقضَّ عليهم أهلها وقتلوهم.(5)

كما حدثت مذبحة أخرى في حي يعرف بِ"درب المعلى" بِ"القيروان" حيث كان الشيعة يتستَّرون بمذهبهم هناك وسرعان ما امتدَّت هذه الحرب المعلنة ضدَّ الشيعة إلى مناطق أخرى، وتفاقم الأمر حتَّى إنَّه «قتل من لم يعرف مذهبه بالشبهة لهم».(6)

وفي سنة 439هـ (1047م) أوْ 440هـ (1048م) تحوَّلت الدعوة من الفاطميين إلى العباسيين حيث دعا للقائم العباسي(7) وبذلك أعلنت القطيعة واستقرَّت الدعوة لبني العباس(8) بإفرِيقيَّة.(9)

(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، ص: 277.

(2) - هو بلد بالمغرب كان الروم يسموه "قمونية"، وقيل: السوس بالمغرب كورة مدينتها طنجة. وهناك كذلك السوس مدينته "طرقلة" ومن السوس الأدنى إلى السوس الأقصى مسيرة شهرين. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص: 281.

(3) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 90.

(4) - كان مربي المعزّ بن باديس أبا الحسن بن علي الرجال المالكي المذهب. ولا شكَّ أنَّه قد أثَّر في المعزّ إلى الأخذ بالمذهب المالكي، انظر: حسن احمد محمود: محنة الشيعة بإفرِيقيَّة في القرن 5هـ. فصل من مجلَّة كلية الآداب ج 12، ج2، مطبعة فؤاد الأوَّل، القاهرة 1950، ص: 93 - 94.

(5) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، ص: 269.

(6) - نفس المصدر والجزء، ص: 268.

(7) - لمَّا توفِّي القادر بالله سنة 422هـ، تولَّى الخلافة ابنه القائم بأمر الله أبو جعفر بن عبد القادر. توفي ليلة الخميس ثالث عشر شعبان 467هـ، انظر: أبو الفدا: تاريخه، ج 1، طبعة دار المعارف، بيروت (ب، ت) ص: 158.

(8) - لمَّا أظهر المعزّ بن باديس الدعاء للدَّولة العباسيَّة وصله السجل من القائم بأمر الله واصفاً إيَّاه بِ"الملك الأوحد نور الإسلام وشرف الأيَّام وعمدة الأنام ناصر دين ا وقاهر أعداء ا. ومؤيِّد سنة رسول الله (ص) انظر النويري: نهاية الارب، ج 24، ص: 209.

(9) - الدواداري: كنز الدور وجامع الغرر (الدورة المضيئة في أخبار الدولة الفاطميَّة)، ج6، تحقيق صلاح المنجد، مطبعة (ل. ت. ن. ت) القاهرة 1961، ص: 331.

٦٩ / ١٨١