الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٧٤ولم يكتف المعزّ بقطع الخطبة للفاطميِّين، بل أمر الخطباء بأنْ يسبُّوهم ويلعنوهم.(1) كما أمر المعزّ بن باديس سنة 441هـ (1049م) بتغيير السكَّة(2)، وإعادة سبك ماكان عنده من الدنانير التي ذكرت فيها أسماء بني عبيد. وأصبح من يتصرَّف بدنانير عليها أسماء بني عبيد يتعرَّض للعقاب.(3)
ولمَّا تخلَّص المعزّ من الشيعة ومذهبهم انتقل إلى بقيَّة الفرق الأخرى وأوَّلها الإبَاضِيَة، حيث قام بإرسال حملة سنة 440هـ (1048م) إلى قلعة بني درجين، وتمكَّن بعد حصار شديد أنْ يدخل ويقتل الكثير من الإبَاضِيَة خاصَّة شيوخَهم. أمَّا الناجون فقد فرُّوا إلى المغرب الأوسط أو إلى جبل نفوسة.(4)
كما تعرَّض بعض شيوخ الإبَاضِيَة لأعمال البطش، وألقي بالبعض الآخر منهم في السجون مثل "أبي نوح" الذي سجن في مدينة توزر.(5)
ونتيجة لهذا الاضطهاد الذي عاناه الإبَاضِيَة من الصنهاجيين أصبحوا يبغضون التعامل معهم حتَّى في التجارة.(6)، وأصبحوا لا يثِقُون في أمراء بني زيري. وفضَّلوا الابتعاد عن إفرِيقِيَّة مهاجرين إلى أقاصي الصحراء للعيش في مجتمعات صغيرة، تحكمها تعاليم المذهب الإبَاضِي، كما انقطعت صِلاتهم بمجالس الأمراء، وأصبحوا يهجرون كلّ من زار أميرا من الأمراء، فالإبَاضِيَة يقولون: «إذا رأيتم العالم يمشي إلى أبواب السلطان فاتهموه على أمر دينكم».(7)
والمصادر لا تعطينا معلومات عن طبيعة علاقة الإبَاضِيَة ببني حماد. وإذا كان الدكتور عبد الحليم عويس يرى أنَّ "وارجلان" كانت تقع ضمن حدود دولة بني حماد. بمعنى أنَّ هذه المدينة كانت تابع للدولة فإنَّ المصادر الإبَاضِيَة تذكر بأنَّ
(1) - ممَّا جاء في هذا اللعن: "اللهمَّ العن الفسقة الكبار المارقين أعداء الدين وأنصار الشيطان المخالفين لأمرك والناقمين لعهدك، المتبعين غير سبيلك المبدلين لكتابك" انظر: ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، ص: 277 - 278.
(2) - نقش على أحد وجهي الدينار الجديد "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وعلى الوجه الآخر: لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله" انظر ابن عذارى: نفس المصدر والجزء، طبعن ليدن 1948، ص: 278، اسماعيل العربي: عواصم بني زيري، بيروت 1984، ص: 137.
HENRI LAVOIX: Catalogue des monnaies musulmanes de la bibliothèque nationale، (Epagne et Afrique)، imprimerie national، p 407.
(3) - ابن عذارى: نفس المصدر والجزء، طبعة بيروت 1980، ص: 279، محمَّد أبو العزم: الأثر السياسي والحضاري للمالكيَّة، ص: 244.
(4) - الشماخي: السير، ص: 400، باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، ص: 147.
(5) - الشماخي: السير، ص: 360.
(6) - من الأمثلة على ذلك أنَّ إباضيًّا يدعى عبد السلام اشترى خرفانا في إفرِيقِيَّة فلمَّا أراد صاحبها قبْض الثمن، قال له: «آرا» وهي بلغة صنهاجة ومعناها "هات" فدفع ثمن الخرفان، وتصدَّق بها تحرُّجاً من رزق صنهاجة، انظر أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 2، ص: 306 - 307.
(7) - الشماخي: المصدر السابق، ص: 384.