الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٧٦طرابلس، حتَّى إنَّ تلك السنَة سمِّيت بسنة الزيارة.(1)
ولم تقتصر هذه الزيارة على طلب العلم والفتوى فحسب بل كانت للتسوُّق أو للتعزية في وفاة الشيوخ المعروفين. يقول الشماخي: «إنَّ من عادة أهل وارجلان إذا مات أحد من فضلائهم بعثوا إلى سائر القرى يحضرون جنازته».(2)
أمَّا عن اتصال إبَاضِيَة المغرب الأوسط بإخوانهم المشارقة، فكان يتمُّ سواء بإرسال الوفود أو البقاء في موسم الحجِّ. وكانت هذه العلاقات منتعشة في عهد الدولة الرستميَّة، لكنَّها في هذه الفترة كانت قليلة جدًّا. ولا توجد دلائل كثيرة تدلُّ على استمرارها. ومهما يكن من أمر فإنَّ الحجَّ كان فرصة لالتقاء الإبَاضِيَة بإخوانهم. فعند ذهابهم إلى الحج كانوا يمرُّون بإخوانهم ببلاد الجريد وجبل نفوسة ومصر. وكان البعض منهم يواصل طريقه إلى عمان بعد انقضاء موسم الحج. كما أنَّ النفوسيِّين كانوا يرسلون أبناءهم إلى وادي ميزاب للتعلُّم خاصَّة بعد هجرة بني هلال بالإضافة إلى تبادل الكتب فيما بينهم.
وإلى جانب هذه الزيارات كانوا يتراسلون، فالوارجلانيُّ يذكر أنَّ الشيخ أبا صالح جنون بن يمريان أرسل إلى الشيخ أبي خزر أثناء إقامته في مصر، يطلب منه الكتابة له في المسائل التي لا يسع الناسَ جهلُها.(3)
ويبدو أنَّ أعداداً كبيرة من الإبَاضِيَة كانت تقيم في مصر. فالشيخ اطفيَّش ينفرد بالقول إنَّ صلاح الدين يوسف بن أيُّوب(4) جعل المسجد الكبير المنسوب إلى أبي العبَّاس أحمد بن طولون(5) مأوى للطلبة الإبَاضِيَة يدرسون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق في كلِّ شهر، وسمح لهم بأنْ يُولُّوا عليهم من يهتمُّ بشؤونهم يتحكَّمون إليه في أمورهم.(6)
كما يقدِّم مقرن البغطوري معلومات عن علاقات إبَاضِيَة المغرب بإباضِيَة المشرق فيذكر أنَّهم كانوا يتزاورون، يزور أهلُ المشرق أهلَ المغرب، ويزورهم أهل المغرب، وكان حجاج الإبَاضِيَة المغاربة يجتمعون بعد عودتهم من المشرق في مكان
(1) - الشماخي: السير، ص: 347.
(2) - نفس المصدر، ص: 420.
(3) - الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج 2، ص: 16.
(4) - هو مؤسِّس الدولة الأيوبيَّة (564 - 648هـ) (1169 - 1250م) من أصل كردي، كان بخدمة نور الدين محمود بن زنكي، فنصبه حاكماً على الشام ثمَّ على مصر بعد ضمِّها إلى بلاد الشام، وتحوَّل من الدعوة للفاطميِّين إلى الدعوة للخليفة المستضيء العباسي ببغداد، وفي عهده أصبح الرَحمان الشريفان تابعين لمصر إلى جانب بيت المقدس. توفي صلاح الدين سنة 589هـ (1193م)، انظر لين بول: طبقات سلاطين الإسلام، ص: 71 - 72.
(5) - هو أبو العبَّاس بن احمد بن طولون الذي أعلن استقلال مصر عن الخلافة العباسيَّة 254هـ (868م) أمَّا أبو العبَّاس فهو الذي انتقض على أبيه أحمد عندما رحل إلى الشام وسار إلى إفرِيقِيَّة يطلب ملكها بالقضاء على الأغالبة وقد مني بهزيمة ساحقة سنة 267هـ. انظر ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص: 645.
(6) - اطفيَّش: رسالة إنْ لم تعرف الإبَاضِيَة، ص 3.