الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٨٠وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ إباضيَّة وارجلان كان لهم نشاط ملحوظ في وادي ميزاب خاصَّة وأنَّهُم كانوا يمرُّون عليه في طريقهم إلى تاهرت. وأثناء عودتهم يحضرون الفواكه والخضر والقمح والشعير المتوفِّر بكثرة في تاهرت. فالمصادر تصفها بأنَّها "عراق المغرب".
وأهمُّ سلعة يوفِّرها تجَّار وارجلان لمدن المغرب العبيد. ذلك أنَّ تجارة الرقيق كانت رائجة خاصة في عصر الدولة الفاطمية حيث كانوا يستخدمون في الجيش وبعض الأعمال. ومن الأمثلة على ذلك أنَّ عبد الله ابن محَمَّد الكاتب عامل إفرِيقِيَّة جعل سنة 373هـ (983م) على كلّ عامل ثلاثين عبداً، وكذلك على أصحاب الخراج. كما استعمل المعزّ العبيد في الجيش. وبلغ عدد العبيد أكثر من ثلاثين ألف.(1)
وكانت وارجلان وزويلة وسجلماسة من أكبر المراكز التي تورد العبيد. فأسعارهم رخيصة في بلاد السودان خاصة عبيد قبائل "لملم" ممَّا شجَّع التجَّار على جلب أعداد كبيرة منهم. يقول الحميري: «وأهل بريسي وسلى وتكرور وغانة يغيِّرون في بلاد "لملم" ويُسبون أهلها ويسوقونهم إلى بلادهم، فيبيعونهم إلى التجَّار الواصلين إليهِم فيخرجهم التجَّار إلى سائر الأمصار».(2)
وكانت القوافل المغربيَّة تخرج من مدن المغرب محمَّلة بالبضائع والسلع لتباع في بلاد السودان، مارَّة بالمحطَّات الرئيسيَّة الواقعة في الجنوب مثل وارجلان وسجلماسة وأوجله(3) وغدامس وزويلة. وتعتبر هذه المحطَّات مراكز لانطلاق القوافل إلى بلاد السودان. وفيها يرتاح التجَّار لأنَّ العمران منعدم على طول الطريق حيث تسير القوافل في صحراء قاحلة إلى بلاد السودان. لذلك يتجهَّز التجَّار بكلِّ ما يلزمهم من احتياجات السفر في هذه المحطَّات من مؤونة خاصَّة الماء.
وقد وصف كلّ من ابن سعيد وياقوت الحموي مشاقَّ السفر إلى بلاد السودان. فذكرا أنَّ التجار كانوا يأخذون معهم من سجلماسة مثلاً الجمال القويَّة، ويحملون الماء من بلاد لمتونة في الروايا والأسقية، ويسيرون فيجدون مياه الآبار فاسدة. فكانوا يستكثرون من حمل المياه، خاصَّة وأنَّهُم يمرُّون على صحاري تكثر فيها الرياح التي تجفف المياه داخل الأسقية فصاروا يحضِّرون معهم جمالاً يعطشونها قبل ورودهم على الماء ثمَّ يسقونها حتَّى تمتلئ أجوافها. فإذا ما جفَّت أسقيتهم نحروا جملاً، وشربوا ما في بطنه.(4)
(1) - ابن عذارى: البيان المغرب، مج 1، ص247، عفيفي: أحوال بلاد المغرب الاقتصاديَّة، ص175.
(2) - الحميري: الروض المعطار، ص511.
(3) - تقع هذه المدينة قرب مدينة جدابية، وهي ناحية ذات نخيل وغلات من التمر كانت في عصر ابن حوقل تابعة لبرقة. انظر: صورة الأرض، ص70.
(4) - ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص113، الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص12.