الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٨٥فالمصادر الإبَاضِيَة تذكر أنَّ للتجَّار الإبَاضِيَة دوراً كبيراً في نشر الإسلام في بلاد السودان.
فالشماخي يقول إنَّ أبا يحيى زكرياء بن أبي القاسم يونس الفرسطائي استطاع بفضل دعوته أنْ يُدخل ملك بلاد السودان في الإسلام.(1) وهي نفس الرواية التي وردت في كتاب البكري، لكنَّه لا يذكر اسم الداعية. ويذكر البكري أنَّ في بلاد السُّودَان وراء مملكة "دو" يوجد بلد اسمه "ملل" يسمَّى ملكهم بِ"المسلماني" أجدبت بلاده سنوات. وكان أهلها يستسقون بقرابينهم حتَّى كادوا يفنونها دون جدوى، بل ازدادت بلادهم قحطاً وجدباً. وكان أحد المسلمين يقيم في مملكته يعلِّم القرآن والسنَّة فشكا إليه الملك ما حلَّ بهم فدعاه المسلم إلى الإقرار بوحدانيَّة الله وبرسالة رسوله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى يخرجهم الله برحمته من هذه الأزمة. وظلَّ هذا المسلم يعلِّم الملك أمور الدين حتَّى أسلم وأقاما الصلاة مع بعضهما ودعا كلّ منهما الله. فما أنْ طلع النهار إلاَّ وابتدأت الأمطار تسقط. حينئذٍ أمر الملك بكسر الأوثان والدكاكير وطرد السحرة من بلاده، وانتشر الإسلام بين أهله وسكّان مملكته.(2)
ومهما يكن من شيءٍ فلا شكّ أنَّ التجَّار الإبَاضِيَة ساهموا بدور ما في نشر الإسلام والمذهب الإبَاضِي في بلاد السُّودَان. وقد أثبتت الدراسات الحديثة من خلال مقارنة بين الطراز المعماريِّ في المنشآت الدينيَّة في بلاد المغرب وبلاد السُّودَان وجود تشابه كبير بين مساجد وادي ميزاب وبعض المساجد في تمبكتو مثل مسجد "سنكورى" و"جنجيري" خاصة في المآذن المستطيلة.(3)
كما أنَّ بعض المسلمين هناك لا يرفعون أيديهم في الصلاة عند تكبيرة الإحرام، وهو ما يفعله الإبَاضِيَة.(4) بالإضافة إلى ذلك فإنَّنا نجد في مالي المئذنة ذات الدرج والمحراب المستطيل الشكل، وعدم وجود منبر داخل المسجد، وهذا ما يشبه إلى حدٍّ كبير الطراز المعماري الإبَاضِي.(5)
ب ـ أسعار السلع:
تتَّفق المصادر على أنَّ أسعار السلع كانت رخيصة، إلاَّ أنَّها كانت في غالب الأحيان تتأثَّر بالأوضاع السياسيَّة السائدة في البلاد. فتارة ترتفع وتارة تنخفض. فلمَّا اندلعت ثورة أبي يزيد غلت الأسعَار نتيجة قلّة الإنتاج، وتقلَّصت حركة التجارة لعدم أمان الطرق. فكانت أسعار الأغذية في مدينة برقة رخيصة. وكذلك أسعار الفواكه في قابس ومرسى الدجاج وبونة وقسطيلية. والدليل على رخص الأسعَار أنَّ حمل جمل من التمر بيع بدرهمين في قسطيلية، وأنَّ سعر اللحم في القيروان كانت الخمسة
(1) - السير، ص312، SCHACHT (J): Sur la diffusion des formes d’architecture religieuse musulmane à travers le sahara، travaux de l’institut de recherche sahariennes، T 11، 1954.p73
(2) - المغرب، ص178.
(3) - Marcel MERCIER: Notes sur une archetecture bèrbère saharienne، hesperis، T 8، 1928.; pp422 - 424
(4) - الباروني: رسالة سلَّم العامَّة، ص23.
(5) - Claude PAVARD: Lumière du m’Zab، pp 18 - 19.