الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٨٧

ولعلَّ أكبر ضربة للحركة التجاريَّة في بلاد المغرب كانت على يد بني هلال. فقد نتج عن قدومهم تغيير كبير في الحياة السياسيَّة والاقتصادية والاجتماعيَّة والثقافيَّة. فانتشرت الفوضى في مختلف مدن إفريقيَّة والمغرب الأوسط. يصفهم الأنصاري قائلاً: «كانوا كالجراد المنتشر لا يمرُّون بشيء إلاَّ أتوا عليه فعثوا في البلاد وأظهروا الفساد».(1) وكان من نتيجة ذلك انعدام الأمن فساءت أحوال الناس وانقطعت أسفارهم.(2)

وقد أدَّى هذا الغزر إلى هجرة البربر من إفريقيَّة بعد أنْ خرِّبت بلادهم، ونهبت أموالهم. فانتقل الكثير منهم إلى بلاد بني حمَّاد لحصانتها، فعمّرت بلادهم، وكثرت أموالهم.(3)

جـ ـ الحسبة وضبط السوق:

تعتبر الحسبة من الوظائف الدينيَّة إذ يقوم المحتسب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان معروفاً في بلاد المغرب أنَّ المحتسب يعيِّنه القاضي، ويجعل له مساعدين يساعدونه في القضاء على الغشِّ، ومعاقبة التجَّار الذين يقومون بذلك وردعهم، أو التجَّار الذين يقومون ببيع بضائع فاسدة. أمَّا عند الإبَاضِيَة فإنَّ مجلس العزَّابَة هو الذي كان يتولَّى أمور الحسبة في مواطن الإبَاضِيَة. فيقومون بمراقبة الأسواق والحفاظ على النظام فيها. ونظراً لعدم اختلاف نظام الحسبة عند الإبَاضِيَة عن نظام الحسبة عند غيرهم، فسوف ندرس هذا النظام بصفة عامَّة مع الاعتماد على أمثلة توضِّح مدى تمسُّك الإبَاضِيَة بالحسبة.

وبما أنَّ الحسبة تتمثَّل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد كان يشترط في المحتسب أنْ تتوفَّر فيه شروط معيَّنة. ولا شكَّ أنَّ الشروط التي رأيناها في اختيار العزَّابَة كافية لأنْ يتولّوا هذه المهمَّة. وتضع كتب الحسبة شروطاً يجب أنْ تتوفَّر في المحتسب منها أنْ يكون فقيهاً عارفاً بأحكام الشريعة ليعلم ما يأمر به وينهى عنه.(4)

كما يشترط أنْ يكون رجلاً عفيفاً ورعاً، عالماً غنيًّا نبيلاً عارفاً بالأمور لا يقبل الرشوة. لذلك فإنَّه يشترط فيه أنْ يكون غنيًّا حتَّى لا "يأكل أموال الناس بالباطل، والمهابة لأنَّه لا يهاب إلاَّ من كان له مال وحسب".(5)

كما ينبغي أنْ يكون عارفاً بأصناف المعايش وحيل التجَّار حتَّى يستطيع بسهولة معرفة الغشِّ والتدليس الذي يحدث أثناء عمليَّات البيع.(6)

(1) - المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب، مطابع الغندور، بيروت (د. ت)، ص121.

(2) - ابن غلبون الطرابلسي: تاريخ طرابلس الغرب، تحقيق الطاهر أحمد الزاوي، المطبعة السفليَّة، القاهرة 1349هـ، ص25.

(3) - النويري: نهاية الارب، ج 24، ص: 221.

(4) - عبد الرحمن بن نصر الشيزري: كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، تحقيق السيد الباز العريني، دار الثقافة، الطبعة الثانيَّة، بيرُوت 1981، ص6.

(5) - ابن عبدون: رسالة في القضاء والحسبة، نشره ليفي بروفنسال ضمن Journal Asiatique Avril - Juin 1934.، ص18.

(6) - الجرسيفي: رسالة عمر بن عثمان بن عبَّاس الجرسيفي في الحسبة، نشرها لوفي بروفنسال ضمن ثلاث رسائل أندلسيَّة في آداب الحسبة والمحتسب، المعهد العلمي الفرنسي، القاهرة 1955، ص120.

٨٣ / ١٨١