الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٨٨ومن واجبات المحتسب أنْ يعمل بما يعلم، وأنْ يكون قوله مطابقاً لفعله. وينبغي عليه أنْ يكون مواظباً على سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قصّ الشارب، ودهان الإبط بالمسك، مع قيامه بالفرائض والواجبات التي تزيد من توقيره. وأنْ يكون ليِّن القول ذا أخلاق حميدة حتَّى يسهل عليه استمالة القلوب عندما يأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وأنْ يتأنَّى في اتخاذ العقاب فإذا عثر على نقص في الكيل أو الوزن، أو غشٍّ في سلعة ما يستتيب البائعَ ويخوفه وينذره فإذا كرَّر فعلته تلك عاقبه طبقاً للجرم الذي قام به، وعليه أنْ يَتَّخذ له عيوناً في الأسواق ليعرف أخبار السوق.(1)
ومن واجبات المحتسب كذلك النظر في الأسواق والطرقات فينبغي أنْ تكون الأسواق في الارتفاع والاتساع على ما وضعه الروم قديماً. ويجب أنْ يكون من جانبي السوق رصيف (افريزان) يمشي عليه الناس في الشتاء. كما لا يجوز لأحد من السوقة أنْ يخرج مصطبة أمام دكَّانه.(2)
يذكر الوسياني أنَّه ذكر للشيخ ماكسن أنَّ أولاده زادوا إلى عتبة الباب شيئاً من الطريق العام، فأرغمهم على إزالة ما بنوه أمام الدكَّان.(3)
كما يجب عليه أنْ ينظِّم الأسواق ويجعل لكلِّ صنعة سوقاً تختصُّ بصنَّاعها.
يقول ابن عبدون: «يجب أنْ يرتِّب أهل الأسواق … يجب للقاضي أنْ يجعل في كلّ صناعة رجلاً من أهلها فقيهاً عالماً مخيَّراً يصلح بين الناس إذا وقع بينهم الخلاف في شيء من أمورهم».(4)
ويعود تنظيم الأسواق بالنفع على الناس. فمثلاً من كانت صناعته تحتاج إلى وقود نار كالخبَّازين والحدَّادين يجب أنْ يكونوا بعيدين عن دكاكين العطَّارين.(5)
ولا يحقُّ للمحتسب أنْ يلزم التجَّار ببيع سلعهم بسعر معلوم. وإذا رأى المحتسب أنَّ تاجراً يحتكر الطعام كي يبيعه في وقت الغلاء ألزمه ببيعه لأنَّ الاحتكار حرام. كما يمنع أنْ تباع السلعة قبل حملها إلى الأسواق.(6)
كما يمنع أحمال الحطب والتبن من دخول الأسواق، بل يُخَصِّصُ لهم موقفاً لبيع سلعتهم، ولا يترك أحداً منهم يدخل السوق لأنَّهم يؤْذُون الناس إذا كان الحطب الذي يحملونه يمزِّق ثياب الناس(7) ويرغمون كذلك على وضع أحمال الحطب والتبن
(1) - الشيزري: كتاب نهاية الرتبة، ص11.
(2) - نفسه، ص11.
(3) - السير، (مخ)، ج2، ورقة37.
(4) - رسالة في القضاء، ص21.
(5) - الشيزري: كتاب نهاية الرتبة، ص11.
(6) - نفسه، ص12.
(7) - ابن عبدون: رسالة في القضاء، ص36.