الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٩٠

سكَّان طرابلس إثر هجوم بني طولون سنة 267هـ (880م). فالباروني يذكر أنَّ أبا منصور قال للعبَّاس أحمد بن طولون: «بلغني من قبيح أفعالك ما لا يسعُني التخلُّف معه عن جهادك».(1)

وفي عهد الدولة الرُّسْتُمِيَّة كان القاضي هو الذي يتولَّى أمور الحسبة مع بعض المساعدين. ولم يرد في المصادر اسم "المحتسب".يقول ابن الصغير: «أمر أي (أبو اليقظان)(2) قوما من نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر».(3)

وبعد سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة كان أبو يزيد مخلد بن كيداد يقوم بالحسبة و «أخذ نفسه بالحسبة على الناس وتغيير المنكر».(4)

ولمَّا نشأ نظام العزَّابَة أصبح أعضاء العزَّابَة هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فالوسياني مثلاً يذكر في حديثه عن شيخ من شيوخ العزَّابَة يُدعى «أبا صالح بكر بن قاسم اليراسني أنَّه كان شديداً على العصاة، شديدًا على العتاة».(5)

وكان كلّ من اقترف منكراً يعاقب. وكانت الوسيلة التي يعاقب بها مرتكب الجناية تسمَّى "أزقّور". وربَّما هي نفس الوسيلة التي كانت تستعمل لتأديب الأطفال في الكتاتيب. يقول الوسياني: «كان في مدّته ــ أي في زمن أبي صالح بكر بن قاسم اليراسني ــ أدهم حديد عمود يقال له: "أزقّور" فيجعل فيه خيَّات حلق حديد، فإذا أخذ من كان فيه الحق جعل رجله في تلك الخيَّة والحلق فينقلب العمود على رجله لئلاَّ يهرب ويعذَّب، ويصيحون فيه صياح التيوس من شدَّة الحرِّ والبرد».(6)

والعزَّابِيُّ يحقُّ له التصرُّف بحرِّية إذا رأى منكراً ووجب عليه تغييره. وقد ذكرنا في الفصل الثالث أنَّ شيخاً كان يدعى أبا يعقوب يوسف بن نفَّاث كان يتفقَّد المزارع والطرق. فإذا رأى أحداً أفسدها ضربه، وأنَّ عزَّابيًّا كسر معزف امرأة كانت تغنِّي في أحد الملاهي.

كما كان العزَّابَة يتفقَّدون المزارع. فالمصادر تذكر أنَّ الشيخ أبا معروف ويدرن بن جواد؛ إذا جاز على البساتين ووجد أغصان الأشجار تمنع السابلة من المرور فإنَّه يكسرها ويرميها في بستان صاحبها.(7)

كما كان القضاة يقومون بالحسبة، ويتولَّون الفصل في الخصومات بين الناس. وكان الإبَاضِيَة إذا أرادوا أنْ يستقضُوا رجلاً اختبروه أوَّلاً حتَّى يتأكَّدوا من كفاءته

(1) - نفس المرجع، ص318.

(2) - هو أبو اليقظان محمَّد بن أفلح تولَّى الإمامة في الدولة الرُّسْتُمِيَّة سنة 241هـ، وبعد وفاته سنة 281هـ، تولَّى ابنه أبو حاتم يوسف. انظر: الباروني: نفس المرجع، ص295 - 326.

(3) - تاريخ الأئمَّة الرُّسْتُمِيِّين، ص41 - 42.

(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج7، ص84.

(5) - السير، (مخ)، ج2، ورقة 14.

(6) - نفس المصدر والجزء والصفحة.

(7) - الوسياني: السير، (مخ)، ج2، ورقة 4.

٨٦ / ١٨١