الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ١٠١

متطلَّبات الزراعة من مياه وأرض خصبة وأيدٍ عاملة (العبيد) متوفِّرة. فقد اشتهرت وارجلان بوفرة المياه الباطنيَّة. فالحميري يتعجَّب لوفرة هذه الكمية من المياه الجوفيَّة إذ يقول: «والعجب أنَّ الرجل منهم يحفر فيها بئراً بأزيد من مائة دينار، فإنَّ أرضهم صلبة والماء بعيد يدرك على أزيد من مائة قامة، فيجد على الماء طبقاً من حجر صلد فيستبشر عند وجوده، ويطعم أصحابه فرحاً به وينزل إليه من يعرف كيف ينقره مربوطاً في حبال وثيقة وينقره فيفور الماء. فإن أبطأ الرجال في رفعه حتَّى يدركه الماء هلك لحينه».(1)

وإذا كانت عمليَّة حفر الآبار مكلِّفة نوعاً ما لصعوبة الأرض وطول عمق المياه الذي يبلغ مائة قامة، إلاَّ أنَّ المزارعين حفروا آباراً كثيرة لأنَّهم كانوا مياسير وأغنياء. فالمصادر تذكر أنَّ بمدينة سدراتة وحدها ما يزيد عن ألف وإحدى وخمسين عينًا ــ وهو عدد مبالغ فيه نوعاً ما ــ اشتهرت منها عين تعرف بِ"وادي الصفا". وقد سمِّيت بِ"الوادي" لغزارة مياهها حتَّى إنَّ مجاريها كانت كالخنادق لكثرة المياه المنسابة فيها.(2)

وإلى جانب هذه العيون الجارية كانت تقام السدود في المناطق الجافَّة كوادي ميزاب مثلاً لحفظ المياه. فكان الإبَاضِيَة يتبرَّعون بالأموال لإقامة سدود صغيرة في مجاري الوديان. ومن الأمثلة على ذلك ما يروى أنَّ أبا صالح الياجراني تبرَّع بدينار لقوم كانوا يجمعون المال لبناء سدٍّ.(3)

كما وضع نظام لتوزيع المياه بالعدل على أصحاب الضياع والبساتين. فكان لكلِّ مزارع نوبته من الماء. قد اشتهرت سدراتة أكثر من غيرها من المدن الإبَاضِيَة بمياهها الغزيرة. فقد كشفت الحفريات الأثريَّة عن وجود شبكة من القنوات الكبيرة كانت تزوِّد المنطقة كلها بالمياه، ومنها قنوات تصل إلى مدينة وارجلان أي مسافة اثني عشر كيلومتر تقريباً.

وكانت هذه القنوات مغطَّاة حتَّى لا تردمها الرمال، ووضعت لها فتحات كثيرة حتَّى يمكن تصفيتها بسهولة ليستمرَّ انسياب المياه إلى المزارع.(4)

ويلاحظ أنَّ عيون سدراتة كانت مقسَّمة بين الأسر. فالعين المعروفة باسم "وادي الصفا" كان لها ثلاثة مصارف، مصرف لأولاد ابراهيم بن اسماعيل، ومصرف لأولاد عيسى بن أحمد، ومصرف لأولاد بن الشيخ.(5)

أماَّ العيون الأخرى والتي تأتي في المرتبة الثانية من حيث كمِّية المياه فهي المعروفة باسم "القبائل"، وتقع في "يفرن" قرب سدراتة وهي الأخرى لها ثلاثة مصارف: مصرف لأولاد محمَّد بن عيسى، ومصرف لأولاد جابر بن ابراهيم، ومصرف لأولاد بوّين بن الصعب. كذلك نجد أنَّ العين التي تسمَّى بِ"الحوَّاس" في

(1) - الروض المعطار، ص: 600.

(2) - أعزام: غصن البان، (مخ)، ورقة 13 - 14.

(3) - اطفيَّش: رسالة شافية، (مخ)، ورقة 58.

(4) - LARGEAU: Le pays de rirha، pp 188، 189، BOUROUIBA: Cités disparues، p 53.

(5) - النوري: دور الميزابيِّين، ج 1، ص: 108.

٩٦ / ١٨١