حوارات فكرية
الجزء ١ · صفحة ١٦٣الجواب
أما مسألة الشعبي مع الحجاج، ووجه الاختلاف فيها، أن علماء الصحابة كغيرهم، إذا وقعت النازلة الشرعية ولم يجدوا فيها نصاً من كتاب أو سنة اجتهدوا رأيهم في استنباط حكمها، فإن اتفق اجتهادهم ونظرهم عمل به الكل، فصار إجماعاً قولياً، إن نطقوا به كلهم، وسكوتياً إن قال به بعض وسكت الباقون من غير نكير، وإن اختلف رأيهم واجتهادهم عمل كل بما أداه إليه اجتهاده، وصارت من مسائل الرأي، وليس لأحد أن يخطئ صاحبه فيما قال به، لأنهم كلهم مجتهدون، والدليل على ذلك حديث معاذ بن جبل حين وجهه -- قاضياً على اليمن وغيره والله أعلم، هذا وجه الاختلاف قد بينته لك، وأما هل يخطئ اليوم من عمل بقول من تلك الأقوال فإن كان ممن يبلغ درجة الاجتهاد وترجيح الأقوال فعليه ذلك، وليأخذ بما ترجح لديه دليله، ولا يجوز له غير ذلك، وأما الضعيف من ذلك فقد جاء فيه اختلاف أهل العلم، إذا أراد حكماً أو علماً أو فتوى بشيء من ذلك، قيل عليه أن يطلب مرجحاً، وقيل له أن يأخذ بما يرى أنه أقرب إلى الحق في نظره، وقيل عليه الوقوف عنه، حتى يعلم الراجح فيعمل به، وأما قول الحجاج في ابن عباس، وإن كان لمنقباً فالتنقيب التفتيش عن الشيء، يعني أنه كان يلتمس الحق ويفتش عنه من مضانه، ولا يقتنع بظواهر الأمور، من بادئ الرأي، ومنه قوله تعالى: {فَتتَقَبُوا فِي الْبِلادِ) (1) الآية اهـ.
ومسألة ميراث الأرحام، وقولك هل يخطئ من لم يورثهم، وجعلهم كسائر المسلمين، فهذه كغيرها من مسائل الرأي والاجتهاد، فمن كان من أهل الاجتهاد، وأداه اجتهاده إلى ذلك فهو فرضه، ولا يحل له العمل بغيره ومن لا فلا، وفيه الخلاف الذي قدمته لك لأنني لا أعلم فيها إجماعاً على توريثهم، فلو صح إجماع ما جازت مخالفته فافهم زادك الله فهماً وعلماً، والله أعلم.
(1) سورة ق الآية 36.
163