حوارات فكرية
الجزء ١ · صفحة ١٨٥الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال)، وقيل معنى التوبة: (الندم والإقلاع عن الذنب وعدم العود إليه وتوطين النفس على تركه، ويجمعها ستة شروط كما روي عن ابن المبارك أنه سمع رجلاً يقول: (أستغفر الله) فقال له: (أما علمت أن سرعة اللسان في الاستغفار توبة الكذابين). قال له: وكيف ذلك؟) فقال: (إن للاستغفار ست علامات الندم على ما مضى، واعتقاد عدم العود أبداً، وأداء الحقوق إلى أهلها، وإعادة الفرائض المضيعة، وإذابة البدن المربى بالسحت بالغموم والأحزان، وإذاقته ألم الطاعة كما أذيق لذة المعصية فعند ذلك قل أستغفر الله.
والندم توجع القلب على الذنب، فكلما عظم حزنه عليه وطال كان له أطهر وعلامة صحة الندم رقة القلب وغزارة الدمع وعنه -: (جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة، فجميع هذه الأحاديث والآثار عن العلماء تدل على أن التوبة لا يشترط في قبولها أن تكون منطوقاً بها باللسان كما رأيت لأنها عبادة قلبية لا قولية، وإذا جاء أمر في الكتاب أو السنة بالاستغفار كما في جملة آيات وأحاديث فالاستغفار أيضاً لا يلزم أن يكون بالنطق به بل يكون بالقلب. قال القطب رحمه الله: (والندم عبارة عن الاستغفار بالقلب) أعني تقبيح الذنب والتأسف على وقوعه وقال --: (كفارة الذنب
الندامة).
فهذه الأدلة يا ولدي كلها تظاهرت على أن الندم على الذنب، وتركه، والانقلاع عنه، والعزم الصادق على عدم العود إليه توبة منه، وإنها هي التوبة النصوح، وإنه إن قال بلسانه: (أتوب إلى الله وأستغفره من ذنب كذا ومن جميع ذنوبي فذلك تأكيد لما في القلب، وتقوية له، وفيه زيادة فضل وأجر، لا أن التوبة لا تصح ولا تقبل بدونه، بل هي توبة مقبولة عند استكمال شروطها المذكورة، وهذا معنى قول العلماء من الأصحاب وغيرهم، ولا أحد يقول إن الذنب الكبير يغفر ويكفر بغير توبة، وإنما خلافهم جاء في الصغائر
185