حوارات فكرية
الجزء ١ · صفحة ١٨٧منه فهل يكفره بذلك أو لا؟ حتى يقصده بالتوبة منه قولان. فإن هذا وأمثاله وإن أوهم أن فعل الطاعات مكفر للذنب الكبير ولو لم تصحبه توبة فليس كذلك، فإن قوله منه متعلق بتوبة لا بقصد، والضمير فيه عائد إلى الذنب المفعول لا إلى فاعله والمعنى: أن فاعل الذنب الكبير، إذا أتى أفعال الطاعات غير مستحضر حال فعله إياها أنه إنما يفعلها توبة من ذلك الذنب بعينه، وتكفيراً له، بل غفل أن يحضر هذه النية حال العمل أو نسيها أو نسي الذنب في تلك الحال، مع أنه غير مصر على ذلك الذنب، وغير قاصد أن لا يتوب منه، ولا قاصد أن يعود إليه، فهذا هو محط الخلاف في الإجزاء وعدمه والقول بالاجزاء هنا ضعيف عندهم، وذلك أن تمام التوبة عندهم واستكمال شروطها محتاجة إلى أشياء كما ترشد إليها الآيات والأحاديث كقوله تعالى: إلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) (1)، فالتوبة الرجوع إلى الله، والندم على الذنب. وهذا محله القلب، وكذا الإيمان والعمل الصالح محله الجوارح وكقوله النَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ (2)، إلى آخر الآية ونحوها من الآيات الكثيرة، التي قرنت أعمال الجوارح مع قصد القلب، وكذا الأحاديث كقوله: اتبع السيئة الحسنة تمحها)، فالأعمال الصالحة للتائب دليل على صدق توبته، وكذا تغيير حاله في اللباس والمطعم والهيئة ونحو ذلك. قد جاءت في ذلك أحاديث وأخبار. قال كعب بن مالك - وهو أحد الثلاثة الذين خلّفوا عن قبول العذر والتوبة في واقعة غزوة تبوك - لما نزل قبول توبتهم: (يا رسول الله إن من تمام توبتي أن انخلع - (أقدم من مال صدقة لله ولرسوله، فاجعله يا رسول الله حيث شئت) فقال رسول الله - -: (أمسك عليك
،
بعض مالك، فهو خير لك)، قال: قلت أمسك سهمي من خيبر)، انتهى.
فهذا مرادهم لتكفير الذنب بالأعمال الصالحة، لا أنه يعملها وهو مصر على الذنب، قاصد أن يعود إليه، فهذا لا يقول به أحد، وأما قولهم: فيمن
(1) سورة مريم، الآية 60. (2) سورة التوبة، الآية 112
187