حوارات فكرية بين العالمين: خلفان بن جميل السيابي وسالم بن حمد بن سليمان الحارثي عبد الله بن سالم بن حمد الحارثي

حوارات فكرية

الجزء ١ · صفحة ٥١

على الكدمي كثرة بلادته وتظاهر جهالته، فأما الآن فما ننكر عليه إلا تواتر حماقته، وذلك أن الجهل يداوى بالتعلم، والحمق مركب في الطباع، لا يزول إلا بزوال صاحبه مع كلام له غير هذا، فما كنت أرى للشيخ أبي محمد مع تكامل عقله، وحسن درايته أن ينطق في الشيخ أبي سعيد بلا حق وعلم، لأن من أصل دين الله أن لا يتكلم المكلف إلا بحق وعلم، ولا ينظر إلا بحق وعلم ولا يسمع إلا بحق وعلم، ولا يعمل إلا بحق، وعلم ولا يعتقد إلا بحق وعلم.

قال أبو سعيد: إن العلم الذي يعلمه العباد أتوا ذلك من الله تعالى، إلهاماً، فذلك كما قال لأن أحداً من العباد لا يقدر على علم يعلمه ويعقله من جميع المعلومات إلا بإلهام من الله تعالى فيقال لأبي محمد أخبرنا عن العلم الذي يعلمه العباد والمعلوم ما هما؟ فإن قال: العلم ما يتبين المعلوم الذي علمه العالم، وتبين العبد المعلوم على ما هو به أشياء هو أحدثه العبد من لا شيء، فأخرجه من العدم إلى الوجود من غير حادث لطف من الله تعالى بإلهامه تعالى له معرفة هذا المعلوم على ما هو به فإن قال نعم قيل له: فليس لله تعالى في هذا حادث لطف، وإلهام فقد جعل العبد المكلف مستغنياً عن ربه، وإن العبد هو يحدث بقدرته ما شاء، فهذا خلاف أهل التوحيد وإن قال لا خصم لأن أحداً من العباد قط لا يقدر على تبيين المعلومات التي تعلمها على ما هي عليه به إلا بعون من الله تعالى، وحادث لطف منه تعالى وإلهام لعبده حتى علم ذلك، وميز ذلك وميز الحق من الباطل، لأن العقل مهما كان عنده. ومن قال به جوهر، وعند من قال به عرض، فكل ذلك لا يقدر أن يفعل شيئاً فيضعه في أحد من العباد إلا بلطف من الله تعالى، وإلهام يلهمه الله المخلوق ما شاء أن يلهمه، فيعلم العبد حينئذ ذلك، وقد قال الله تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (1)، يعني تعالى أنه ألهم العبد وبين للعبد ما هو فيه تقواه فيتبعه، وما فيه هلاكه

(1) سورة الشمس، الآية 8.

5571