حوارات فكرية بين العالمين: خلفان بن جميل السيابي وسالم بن حمد بن سليمان الحارثي عبد الله بن سالم بن حمد الحارثي

حوارات فكرية

الجزء ١ · صفحة ٥٨

الله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها، وقد قال لنا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (1)، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (2)

(?)

السنة

فإذا علمت ذلك وأمثاله، فاعلم أن ذلك زمان التشريع، والله سبحانه وتعالى يكلف عباده على قدر طاقتهم، ولا يكلفهم ما لا يطيقون، والعمل الصالح مطلوب لله من العبد في الجملة على كل حال، وفي كل حال لأنه خلق عبدا لله، وعلى العبد أن لا يغفل عن خدمة معبوده طرفة عين، لكن لما علم سبحانه من ضعفنا وعجزنا لم يكلفنا من العمل ما لا نطيقه رحمة منه ورأفة بنا، حتى إنه علمنا أن ندعوه قائلين: {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً) (3) أي ثقلاً من التكليف: {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَتا) (4) وأمثال هذه الآيات والدلالات في الكتاب العزيز وفي الغراء كثير لا يحصى، فكما أن هذا الدعاء ونحوه مانع لأمر الله بتثقيل التكليف علينا، فكذلك ترك المداومة على الأعمال مانعة من فرضيتها علينا فهو مانع لأمر الله بأمر الله كما قال عمر: (نفر من قدر الله إلى قدر الله)، ألم تر أن الله سبحانه قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، ثم خلق لها أسباباً يجري نفوذها عليها إلى يوم القيامة، قال رجل يا رسول الله هل يجب الحج على الناس في كل عام؟ فغضب - صلى الله عليه وسلم - وقال: (لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما فعلتم، ولو لم تفعلوا لكفرتم)، وكذا غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الرجل المواصل في الصوم حتى كاد يهلك، وقال الصحابة رأيناك تواصل يا رسول الله، قال: (أنا لست كأحدكم، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)، كل ذلك لرأفته بأمته، وقال: (آتوا من العمل ما

(1) سورة الأحزاب، الآية 21.

(2) سورة الحشر، الآية 7 (2) سورة البقرة، الآية 286. (4) سورة البقرة، الآية 286.

58