حوارات فكرية بين العالمين: خلفان بن جميل السيابي وسالم بن حمد بن سليمان الحارثي عبد الله بن سالم بن حمد الحارثي

حوارات فكرية

الجزء ١ · صفحة ٦٤

الجواب

قوله - - (إذا تم فجور العبد ملك عينيه) إلى آخره. فالمعنى والله أعلم أن الإنسان على الأغلب يكون في أول عمره جاهلاً غافلاً عما يراد به، وعما خلق لأجله، فهو يتيه في سكرته وغوايته، حتى إذا تداركته العناية الإلهية، واستنار عقله وانتهت ضلالته، رجع إلى ربه واعترف بتقصيره في حق خالقه ومصوره، وألهمه الله الرجوع والإنابة، فقربه الله مولاه، وقبله وارتضاه، وملكه نفسه وهواه، فأصبح خائفاً راجياً خاشعاً خاشياً حازناً باكياً، وحق لمن عرف الله تعالى حق المعرفة أن يكون كذلك، ولا منافاة بين هذا الحديث والذي بعده، بل المعنى واحد، فإن تلك الأربع من أمهات الذنوب والخطايا، وأساس الشرور والبلايا، وهي جمود العين وقسوة القلب والحرص، وطول الأمل، وفيهن شقاء الدنيا والآخرة وأي شقاء أشقى ممن

بلي بواحدة منهن فكيف بمن قدر الله عليه أن يجتمعن فيه وكان النبي - يتعوذ منهن في أكثر دعواته فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، وعلم لا ينفع، ودعاء لا يرفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع واعلم أن البكاء ثمرة الخشية الراسخة في القلب، وهي ثمرة المعرفة بالله، ومعرفة الله هي العلم النافع، وهي التي أشار إليها -- بقوله: (ما فضلكم أبو بكر بفضل صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه)، أو قال (في صدره) وقال - (العلم علمان في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم وعلم في

القلب وذلك هو العلم النافع فإذا تمكنت الخشية في القلب رق واستنار فاستضاء العبد بنوره إلى ملكوت السموات والأرض ونظر إلى عظمة الله سبحانه وإلى آياته الدالة على قدرته فعرف حقارة نفسه) ﴿قُل انظُرُوا مَاذَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (1) فإذا كان العبد بهذه الحيثية، عرف الله حق معرفته، فخافه حق مخافته، ومن

(1) سورة يونس، الآية 101.

64