معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٠١

المبحث الثاني: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية

69

هذا على الصعيد الداخلي وعلى الصعيد الخارجي شهد وادي ميزاب فتنا أخرى جوارية أي بين الميزابيين والقبائل العربية المتساكنة معهم أو المستوطنة للمناطق الصحراوية القريبة منهم، كورقلة والأغواط وتقرت؛ حيث كان بينها صراع قبلي عصبي طائفي، لا تخرج أسبابه في الغالب الأعم عن العوامل المذكورة آنفا، وكانت تنتهي عادة وتسفر عن قتلى وجرحى، وعن نهب وسلب للأموال وتخريب للمحاصيل الزراعية وفتك بالمواشي، وكذا على عداوات وبغضاء مستحكمة تستمر لفترات زمنية طويلة يتوارثها الأبناء عن الآباء، لا تزال آثارها إلى اليوم باقية في جزائر الاستقلال (1).

إضافة إلى الأسباب الماضية فإن للمخلفات التاريخية والمعتقدات الدينية الخاطئة المترسبة في أذهان الأهالي في نظرة المذاهب الإسلامية إلى بعضها البعض أثرها ودورها في استحكام العداوات وتأجيج الخلافات فكل فريق ينظر إلى الآخر أنه ضال عن جادة الدين ومخالف لأصوله.

إلى جانب اختلاف العادات والأعراف والتباين الحضاري والمادي وانغلاق كل فريق على نفسه في العيش ورفضه للآخر، مع الصراع على موارد الرزق الشحيحة كلها عوامل ألقت بظلالها على هذه الوضعية المأساوية التي مر بها وادي ميزاب بين الحين والآخر.

من الواضح أن خروج وادي ميزاب من هذا النفق المظلم كان مع تباشير النهضة الفكرية والعلمية والإصلاحية التي شهدها العالم الإسلامي مع مطلع القرن العشرين فوصل صداها إلى الجزائر وإلى وادي ميزاب فكان لها أثرها الإيجابي في إخماد هذه الفتن وإضعاف حدتها، بالجهود الجبارة للمصلحين في سبيل رفع مستوى الوعي لدى الأهالي ونشر الأخلاق والفضيلة بينهم بالتربية والتعليم والإرشاد.

(1) مثال ذلك ما قام به المدعو بوشوشة أحمد في إغارته على قبائل الصحراء وتخريبه لمتاجر الميزابيين في وارجلان ثم عزمه على القدوم إلى وادي ميزاب لإخضاعها لسلطته بالقوة سنة 1871 م. النوري: نبذة من حياة الميزابيين، ج 1، ص 293 - 300