معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية

77

ميزاب في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر تغييرا معتبرا في مهامها وأدائها، في سيطرتها على المجتمع، إذ تقلص نفوذها وانتزعت الكثير من صلاحياتها، فتحولت بيد الحاكم العسكري وبيد القائد المعين من طرفه والموالي له. كما أن تحركات مشايخ الحلقة أصبحت مراقبة ومحسوبة على أصحابها، بخاصة إذا كانت مخالفة لسياسة المستعمر وتوجيهاته كما أن الخطاب المسجدي أصبح مقيدا خاضعا لرقابة القائد وحاشيته وأعينه، فأجبر أعضاء العزابة على السكوت والصمت عن بعض الانحرافات الخلقية وعن بعض المفاسد التي يقترفها القائد وأتباعه، أو تقتضيها السياسة الاستعمارية.

وبعد أن أصبح الأمر بيد القياد“ انحسر دورها أكثر وبقي في تسيير شؤون المسجد وبعض المهام والأعراف التابعة له من صرف الصدقات وإقام الصلوات وتعليم الصبيان. وبعد أن أحدثت السلطات الاستعمارية المحاكم الشرعية نزع منها القضاء كذلك، فوضع بأيدي قضاة تتولى تعيينهم ودفع أجورهم ومراقبة أعمالهم بنفسها؛ بعد ما كانت الحلقة تسهم كثيرا في فض النزاعات والخصومات والحكم بين الأطراف (1)

لكن في خضم هذه الأوضاع والتغيرات المتسارعة رأينا أن مشايخ العزابة لم يبقوا مكتوفي الأيدي أمام هذه الوضعية السياسية الجديدة التي حاولت حصرهم في زاوية ضيقة، بل جابهوا الفساد وحاولوا الإصلاح وركزوا ولاء الناس لهم، وعلى صوت المسجد في تغيير المناكر التي يرونها تتنافى مع الدين الإسلامي وشريعته. فكانت لهم سياسة الكر والفر مع القياد“ السلطة الاستعمارية، فأغضبوها في كثير من المرات، وكثيرا ما تخطوا مرحلة الصراع إلى مرحلة الصدام وإلى تأليب الشارع على القائد وعلى السلطات الاستعمارية لأجل التراجع عما صدر منها أو من القائد من قرارات أو أعمال منافية للدين والعرف.

(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 119 120.