معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١١٠

78

الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية

من زاوية أخرى فإنه مما تؤاخذ عليه الحلقة على الصعيد الداخلي وقوف

(1)

المسجد،

بعض أعضائها في وجه العلماء والمصلحين والمجددين) من العزابة أنفسهم، فلم تفسح لهم المجال لنشر التوعية والمعرفة والعلم، ولم تسمح لهم باعتلاء منبر ولم تقبل الاستفادة من خبراتهم ومعارفهم التي تحصلوا عليها بعصاميتهم، أو بتكوينهم خارج وادي ميزاب، فدخلت في صراع مع بعض العزابة العلماء وتلاميذهم الذين سعوا إلى التجديد والتغيير، فلم تتقبل أعمالهم وإصلاحهم إلا بعد زمن طويل وجهود مضنية.

كان ذلك حرصا من بعضهم على البقاء في مناصبهم والحفاظ على كرسي الزعامة في المجتمع، مبررين ذلك بالمحافظة على التقاليد وعلى أعراف المجتمع وعلى أصول المذهب الإباضي، وقد استعملوا كل الوسائل المتاحة بين أيديهم للتشنيع بالعالم وبأعماله وتأليب عامة الناس عليه، فرأوا في ذلك الإصلاح تهديدا للمجتمع ونسفا لكيانه ومحوا لخصوصياته (2).

إن المستوى العلمي والمعرفي المتواضع لكثير من أعضاء العزابة آنذاك كان وراء هذه النظرة الضيقة القاصرة للأمور، والحكم الخاطئ عليها، إذ الوصول إلى مشيخة يتم عادة بالأقدمية وكبر السن هذا ما تسبب ـ أحيانا ـ في ضعف أداء الحلقة ودخولها في متاهات التعصب والجمود والجهل.

الحلقة

هكذا تراءى لنا مشهد حلقة العزابة المشرفة على الحياة الدينية في تلك الفترة، فكانت لها وجوه مشرقة في ميدان الإصلاح والثبات على الحق، كما كانت لها سقطات وإخفاقات ومرحلة ضعف وهوان، وهذه حال أي نظام.

(1) حصل الصراع بين أعضاء من العزابة والعلماء في عدة مرات منها: مع الشيخ الثميني خلال القرن الثامن عشر ومع الشيخ اطفيش خلال القرن التاسع عشر ومع الشيخ بيوض خلال القرن العشرين. وكل هؤلاء من زعماء النهضة والإصلاح في وادي ميزاب انظر المبحث الثالث من الفصل الثاني مثلا. (2) للاطلاع على فصول من هذا الصراع بين التجديد والجمود، يراجع كتاب: عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل كله، نشر مكتبة البكري، المطبعة العربية، غرداية، 2004 م.