معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١١٣

المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية

81

تفطنت السلطة الفرنسية لذلك فلجأت إلى إجبار الأهالي على تسجيل أبنائهم في مدارسها، وعدم السماح لأي تلميذ مغادرة الوادي إلا برخصة تتولى تسليمها بنفسها، وكانت تأمر كل رئيس عشيرة أن يصطحب أبناء عشيرته إلى المدرسة حتى يتم ضبطهم وتسجيلهم والتعرف على أسمائهم

(1)

لم يبق موقف الميزابيين من مقاطعة هذا التعليم ثابتا على حاله، بل تغير مع مرور الزمن؛ عندما تفطنوا إلى أهمية التكوين الفرنسي وحاجة أبنائهم إليه ليدخلوا معترك الحياة الواسعة ويجابهوا مخططات الاستعمار في مجالات الإدارة والتجارة والاقتصاد، وكان ذلك بفضل أسفارهم إلى مدن الشمال واحتكاكهم بالأوضاع العامة في ميدان التجارة والأعمال، فغيروا من سياستهم تجاهه واكتشفوا ضعف تحصيل أبنائهم بضعف أداء هذه المدارس مقارنة بالشمال، فنهضوا في المطالبة برفع مستواها وتجويد أدائها وتحسين تجهيزها واستقدام الكفاءات إليها، لتواكب مدارس الشمال في مردوديتها وتكوينها.

لكن يبدو أن السلطات الاستعمارية لم تعجبها هذه المطالبات، بل سعت إلى إبقاء مدارسها كما هي قدر الإمكان، حتى لا تمكن الأهالي والأجيال من التكوين النوعي الجيد الذي يؤهلهم ويرفع مستواهم العلمي والمعرفي فيناهضوا سياستها وأعمالها مستقبلا (2).

ومن جانب آخر فقد أنشئت مدارس تابعة للآباء البيض، لتعليم بعض الفنون والعلوم العصرية، كما افتتحت مدرسة أخرى تديرها الأخوات البيض، تتولى تدريب الفتيات على المهن والحرف من الخياطة والغزل والنسيج.

لكن يبدو أن هذه المدارس لاقت معارضة شديدة من الأهالي والمشايخ والعلماء على رأسهم الشيخ اطفيش واعتبروها دعوة صريحة علنية للتبشير والتمسيح، فأعلنوا عليها حربا إعلامية لمنع أبنائهم وبناتهم من الالتحاق بها.

(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 123. (2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 173 - 175.