معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١١٦

84

الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية

كونوا في كل مسجد حلقة أو جماعة من الناس تحافظ على مرافق المسجد وتقوم بشؤونه …

كونوا حول المسجد محاضر لتعليم القرآن الكريم ومركزا لتدريس العلوم

ومحلا لحراسة البلدة من طرف المتطوعين … » (4).

بذلك تحكم هذا النظام في دواليب المجتمع وأخضع سلوك أفراده وأخلاقهم عموما إلى ما تدعو إليه تعاليم الإسلام، كما أعطى المثل والقدوة بالالتزام الصارم لأشخاصه بهذه الأعراف والآداب، فنال بذلك طاعة المجتمع واحترامه.

يقول الشيخ إبراهيم طلاي: (وقد حكى لنا التاريخ عن أشياء تمثل مظهر السلطة في المدينة، كان الإشراف عليها للعزابة؛ فهم الذين يتولون الفصل بين الخصوم، والترافع يقع في صحن المسجد بين صلاتي الظهر والعصر، وهم الذين يتولون الحراسة في المدينة، وتساعدهم في ذلك منظمة إروان … وهم الذين يسهرون على المحافظة على المصالح العامة وتنظيمها كالأسواق، والمسالخ وسواقي المياه، والسدود» (2).

وفي سبيل ضبط خلق الأفراد وتقويمه لجأ هذا النظام إلى إبداع ضوابط ردعية زجرية للعصاة والمنحرفين المنتهكين الحرمات الله تعالى والخارجين عن إرادة الجماعة وطاعتها والمستهترين بأعراف البلد، وهو ما يتمثل في عقاب الولاية والبراءة الشخصية، أو ما يعرف بالميزابية بمصطلح "التبريت“. حيث تعلن حلقة العزابة في منبر المسجد براءتها من فلان وتعلن عن مخالفته الشرعية أو الاجتماعية وتأمر بمقاطعة أي تعامل معه إلى أن يتوب ويراجع بإعلان توبته العلنية في المسجد أمام حلقة العزابة وعامة المصلين (3).

(1) القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، ص 46.

(2) طلاي ميزاب بلد كفاح، ص 48

(3) ناصر: حلقة العزابة، ص 29 - 30.

في حقيقة الأمر أن هذا العرف مستمد من معاملة الرسول الكريم للثلاثة الذين خلفوا عن غزوة

تبوك، حين تبرأ منهم وقاطع أي معاملة معهم، حتى نزل حكم الله تعالى فيهم بتويته عليهم.