معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١١٧المبحث الثالث: الأوضاع الدينية والثقافية
هكذا تربى
85
هذا المجتمع في كنف المسجد والتزم في الغالب الأعم بتعاليم الإسلام وأخلاقه، وبدا متماسكا متعاونا، ناصرا للحق محاربا للباطل، بعيدا عن نشر الرذائل والجهر بالفواحش والمناكر، وهكذا استطاعت حلقة العزابة بجهودها المضنية المتواصلة بناء مجتمع مسجدي يعود فيه الأمر أولا وأخيرا إلى سلطة المسجد ومشايخ البلد.
إن كلامنا هذا لا يعني رفع كل نقص أو شائبة عنه، أو رفعه إلى مستوى المجتمع النبوي. فهو كغيره انتابته أحوال الضعف والانهيار وأصيب بعيوب وعلل وزلات عديدة، يمكن إجمالها فيما يلي:
الولاء الأعمى للقبيلة والعشيرة والتعصب لها ولو كانت على ضلال، وعلى حساب الدين والمبدإ، والخلق وقد تجلى ذلك في الفتن الكثيرة التي عمت وادي ميزاب في تلك الفترة، وكثيرا ما انتهكت فيها كل الحرمات من نهب للأموال واغتصاب للممتلكات وهتك للأعراض وسفك للدماء، وهذا بلا شك ينم عن ضعف الوازع الديني في النفوس، وعدم الوقوف عند حدود الله تعالى، وعدم المبالاة بحساب الله تعالى وما ينتظر الإنسان من جزاء وعقاب.
فسجل لنا التاريخ صورا مرعبة لهذه الفتن الهوجاء؛ كمقاتلة الصف الشرقي للصف الغربي، وكنصرة عشيرة لعشيرة من بلدة أخرى ضد أعدائها من بلدتها، وكالاستنجاد بالقبائل العربية المجاورة أو المستقدمة من مناطق بعيدة ضد أهل البلد. فتفشى الثأر والانتقام بين الأهالي واستبيحت الدماء والأنفس بغير حق وضاعت حدود الله تعالى.
ظهور بعض البدع والخرافات والأعراف الفاسدة الملصقة بالدين وبالعبادات خصوصا، حتى أضحت في نظر العامة كأنها من الواجبات التي لا ينبغي التنازل عنها ولا التساهل في أدائها، وربما أصبح الحرص عليها أكثر من الحرص على
(1) الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 71 - 77.