معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

124

الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية

بالموازاة مع هذا العمل تيقن الشيخ أن هذا الواقع لا يمكن تغييره ما لم ينتشر التعليم بين الناس، وما لم يرتفع الوعي لديهم، وما لم يقض على الجهل والأمية فرأى ضرورة الالتفات إلى الأجيال الصاعدة وتوجيه العناية بها حتى لا تنشأ على

هذه المخلفات.

ففكر بجدية في فتح دار للتعليم تتصدى لهذا الواقع بواسطة تربية الأجيال الصاعدة وتعليمها وتهذيبها على الأخلاق والقيم الصحيحة وإعدادها لتحمل الأمانة ومواكبة المسيرة.

كما تيقن أن هذا المسلك الوعر والطريق الطويل لا يمكن أن ينجزه هو بنفسه في عمره القصير، بل لا بد لأجيال متوالية أن تواصل المسير ليصل البنيان تمامه

ذات يوم.

كما تفطن إلى أن الكثير من السلبيات الاجتماعية والمخالفات الشرعية التي يغرق فيها المجتمع لم يحن الوقت بعد لتغييرها، بل لا بد من التمهيد لها والتدرج معها، حتى يصل الوقت المناسب لإصلاحها.

افتتح حلقته العلمية في مسكنه (1)، وقد حكي عنه أنه عندما عاد إلى بلدته قصد المسجد ونادى في الناس: هل يوجد منكم من يعلمني؟ فلم يستجب له أحد، ثم نادى فيهم مرة ثانية: هل يوجد منكم من يريد أن يتعلم؟

يقول الشيخ أبو اليقظان في هذه الرواية «لما وصل وطنه جلس بجانب المحراب بعد الصلاة يخاطب الناس مرارا من يعلمني الله، من يعلمني الله؟ فلم يجبه أحد، ثم قال من يتعلم العلم الله؟ فهرع إليه الناس والتف حوله الشباب المتعطش إلى العلم، فابتدأ وعظه للعامة وتعليمه للتلاميذ» (2).

قصده أبناء بلدته وشرع في تعليمهم الدروس العربية والشرعية مراعيا مستوياتهم وقدراتهم، متدرجا معهم في سلم التحصيل والتكوين.

(1) معجم أعلام الإباضية، ج 4، ص 967.

(2) أبو اليقظان: ملحق السير، ص 96.