معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٨٨156
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
هذا ما جعلهم يبادلونه العداء ويعاكسونه التوجه والأفكار، فاتخذوه عدوا واعتبروه ثائرا خارجا عن الأعراف وعن المذهب، فما كان منهم إلا أن ألبوا العامة الجهلة عليه، واصفين إياه بالابتداع والخروج عن أصول المذهب وأعراف المجتمع وتقاليده العريقة، وصوروه لديهم بالخطر المحدق على الدين والمذهب الذي يجب إزالته وإخماد صوته بأي حال من الأحوال حتى لا تتسع مفاسده وتنتشر أفكاره وتستفحل أضراره.
خاض معارك طاحنة مع هذا التيار وجنده، دارت فصولها حول سفاسف الأمور في مجال العبادات والمعاملات، وبجدال عقيم فارغ غير مؤسس، شغل الكثير من وقته وأهدر الكثير من جهده، وأعيى قواه العقلية والجسدية، وخلف آثارا شديدة في أعماق نفسه.
تسببت هذه المواجهات في محاولة اغتياله، ثم التمكن من نفيه خارج بلدته بني يزقن؛ منهزما محصورا حزينا على ما آل إليه وضعه وحالته، فما كان منه إلا أن يتجه إلى البلدة المجاورة بنورة طالبا اللجوء إليها والإقامة بها (2).
نفسه
يبدو أن هذه التجربة التي خاضها في مجال الإصلاح الاجتماعي في هذه السن المبكرة وما آل إليه وضعه؛ جعلته يعود لنفسه يخلو بها لتقييم مسيرته، و مراجعه منهجه وضبط أهدافه وترتيب أولوياته. ويبدو أنه استشعر من أنه قد استعجل الأمر وقد استبق الأحداث وقد أغلظ القول وأخشن الفعل مع عزابة بلدته وأعيانها وأنه أخفق في كسب قلوبهم ونيل مودتهم، ولم يجد لعبة شد الحبل معهم. فما كان منه إلا أن يقرر انتهاج منهج جديد في الإصلاح؛ يولي فيه كل جهوده للتربية والتكوين للأجيال الصاعدة، الذين سيستقبلهم من كافة قرى وادي ميزاب ثم يغرسهم في المجتمع في كل مفاصله ليتولوا الإصلاح بدلا عنه ويتدرجوا فيه، ويبثوا أفكاره وتوجيهاته وآماله في النهضة.
(1) جهلان الفكر السياسي، ص 105 وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 30 - 35