معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٨٩

المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية

157

كما يولي عنايته بالتأليف والتقعيد للعلوم الشرعية بروح عصرية جديدة، تعتمد عليها النهضة مستقبلا وتستقي منها أفكاره وآراءه.

وفي المقابل يقلل من جهوده الإصلاحية على مستوى المجتمع ويغير أسلوبه حتى يحين الوقت الذي تنضج فيه بعض الأفكار وتزول فيه بعض العقبات ويصفو له الجو، وينتشر الوعي عن طريق التعليم والتثقيف، وعن طريق تلاميذه الذين سينتشرون في أرجاء وادي ميزاب لإبلاغ أفكاره وقناعاته وتحقيق آماله في النهضة والإصلاح. لذا ففي حقيقة الأمر إنه بعد حادثة نفيه من بلدته لم تعرف له جهود واضحة في مجال الإصلاح الاجتماعي، فترك ذلك لغيره رغم عدم رضاه بكثير من الأمور التي كانت تدور حوله، كما لم تعرف له مشاريع اجتماعية أو أعمال في هيكلة المجتمع وتنظيمه؛ إلا ما كان في دروسه المسجدية من دعوة وإرشاد بعد أن عاد إلى بلدته وفي زياراته المتكررة لقرى وادي ميزاب فعلا كانت هذه الوقفة نقطة تحول مجدية له ولمجتمعه ولحركة النهضة في وادي ميزاب عموما، حيث وهب نفسه للتعليم والتأليف، وخرج أجيالا متلاحقة تعد بالمئات حملت لواء الإصلاح والنهضة في زمانه وبعد وفاته بلغت ما لم يتمكن هو أن يبلغه، وحققت ما طمح هو أن يحققه.

بعد أن قضى سبع سنين في منفاه بالبلدة المجاورة بنورة، تغيرت الأحوال في بلدته من موت بعض المشايخ من رؤوس معارضيه الجامدين على القديم، الذين لم يستسيغوا أفكاره التجديدية ومن رؤوس الجهل والحسد والفساد، فاستشعر بعض أعيان بلدته أنهم قد أخطؤوا خطأ جسيما في فعلتهم بطرد الشيخ اطفيش، وأن ذلك لم ينقص من عزيمته شيئا، ولا من مكانته العلمية بين الناس، بل ازدادت أكثر بعد أن فتحت له الأبواب على مصراعيها في بنورة وأحسنت استقباله وإيفاده ووفرت له الظروف المساعدة للتدريس والوعظ والدعوة.

فما كان من الطلبة إلا أن غيروا وجهتهم نحو الشيخ في إقامته الجديدة متتبعين آثارهم مقتفين طريقه مستنيرين بعلمه متزاحمين على حلقاته.