معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٩١المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
159
أما الشيخ اطفيش فكان بحق شخصية عالمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، رغم صعوبة الاتصالات في زمانه، ورغم الموقع الصحراوي النائي في شمال إفريقيا الذي وجد فيه ولم يفارقه إلا قليلا. لعل ذلك كان نابعا أساسا من نظرته إلى الوجود ونظرته إلى أحوال الأمة الإسلامية، التي اقتنع فيها أن تغيير أحوالها والتمكين لها واستخلافها في الأرض لا يتأتى إلا بجمع شتات المسلمين، ورص صفوفهم وتناسي خلافاتهم وتوحيد كلمتهم والاستفادة من خبرات بعضهم البعض. هذه النظرة وهذه القناعة جعلته يحرص هو بنفسه أن يساير أخبار المسلمين ويتابع قضاياهم في أرجاء العالم ويتأثر بها ويهتز لها ويفرح لفرحها ويحزن لحزنها. في حقيقة الأمر لم يكن الوصول إلى الريادة العلمية والتربع على عرشها في مجتمعه بالأمر الميسور، نظرا للظروف الاجتماعية المحيطة به، ولقوة المعارضة التي لاقاها من خصومه الذين منهم مشايخ العزابة وأعيان البلد، لولا جهاده الدؤوب في مجال التدريس والتأليف الذي أحاطه بجماعة كبيرة من المريدين طلبة وأعيانا مختلف طبقات المجتمع، مكنته من الثبات والسير قدما نحو القيادة والسيادة، حتى عين شيخا على مسجد بلدته بني يزقن وأصبح قبلة وادي ميزاب في مجال التدريس والاستفتاء وأخذ المشورة والرأي.
ومن
تزامنا مع هذه الجهود، سعى الشيخ أن يفك حصار العزلة عن نفسه بوجوده في هذه البقعة النائية بربط علاقات علمية وسياسية مع جملة من العواصم والحواضر الإسلامية والعالمية.
فراسل العلماء ومراكز العلم، واستخدم طلبته في ذلك؛ خاصة الذين ارتحلوا المواصلة مشوارهم العلمي أو العملي في هذه الحواضر، فكانوا الواسطة بينه وبينها، كما أن كتبه التي طبعت في مصر وفي المشرق عموما أسهمت في التعريف به وبمرتبته العلمية (1).
(1) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 3، ص 264 - 272. وينتن آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 51