معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢210
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
فلسفة
يؤسس الشيخ عبد الرحمن بكلي لفهم حقيقة هذا الصراع في حديثه عن الإصلاح وعلاقتها بفهم الإسلام فيقول: (إنما اختلاف المدارك في فهم تلك التعاليم على حقيقتها، جعل الناس أزاءها قسمين مصلح مجاهد، ومقلد جامد، فمن رآها مبعث سعادة وسيادة، وأساس مدنية وعمران … فذلك المصلح المجاهد. ومن رآها باعث انزواء وانكماش، وداعية عزوف عن الدنيا وزهراتها، وانقطاع عن الحياة المادية إلى الحياة الروحية المحضة، وابتعاد عن اقتحام لجي الاجتماع … فذلك المقلد الجامد» (1).
يصف الأستاذ محمد علي دبوز طبيعة هذا الصراع الذي كان طرفا شاهدا فيه فيقول: «لقد اشتدت تلك المعارك في وسط الثلاثينيات بين الشيخ بيوض زعيم الإصلاح في ميزاب وأعداء الإصلاح الألداء … ولما جاء العلماء المصلحون … دعوا إلى النهضة في كل النواحي، واتباع الطرق الحسنة القريبة في كل الميادين … وأنكر المصلحون الانكماش والجمود والخمول والجهل والفقر والرضا بالدون … فسول لهم الحسد والأنانية وحقد الضعيف على القوي الثورة على الإصلاح، فوقفوا تحت راية رؤوس المعارضة للإصلاح يؤيدونهم في حربهم للمصلحين» (2). إذن فأصحاب الحركة الإصلاحية عند إباضية الجزائر هم علماء الجيل الأول منها؛ الذين تلقفوا الفكرة الإصلاحية من مشايخهم الذين سبقوهم في الإعداد لها وقطعوا الأشواط الأولى فيه - كما بينا ذلك في الفصل السابق - وهم الذين قادوا صفوفها ونظروا أفكارها وبلوروا مدرستها وصنعوا أحداثها وبنوا مؤسساتها بتقاسم للأدوار وتكامل فيما بينهم بانسجام وتفاهم وتعاون وتشاور.
ستكون العمدة على إنتاجهم الفكري كتابة وخطابة، كما ستكون أعمالهم ومواقفهم مسرحا للتحليل والنقد والتمحيص لأجل استخلاص معالم الفكر
الإصلاحي من مختلف جوانبه.
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 22. (2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، ص 28 - 29