معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٨٠248
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
الإيمان الراسخ بالفكرة الإصلاحية السابقة والاقتناع العميق بها، والسعي لاحتضان المجتمع لها، والشعور بمسؤولية تحملها ومواصلة طريقها، وإعلاء صرح بنيانها وتنفيذ مشاريعها وتحقيق أهدافها على أرض الواقع.
امتلاك المجتمع لنظام حلقة العزابة الذي شكل الشرايين الناقلة للدم لجسد الإنسان، وشكل كذلك نظام المناعة فيه الحافظ لكيانه من الأمراض والمدافع عن الأجسام الغريبة التي تتطفل عليه.
بناء على ذلك فإن ما ينبغي تسجيله بكل دقة ووضوح – حسب رأيي – أن النهضة الإصلاحية ضمنت شطر نجاحها وتفوقها وتمكنها من المجتمع بفضل هذين السندين المتينين اللذين أسهما معا في تهيئة تربة خصبة لنضج بذور أفكار الإصلاح وضرب جذورها في الأعماق، إذ أضحى المجتمع يحمل قابلية احتضان حركة الإصلاح وقابلية تبني مشاريعها والدفاع عن أفكارها التجديدية قبل أن تظهر هذه الحركة إلى الوجود إطلاقا.
والفضل في ذلك يعود إلى أولئك العلماء والعزابة والأعيان السابقين بما بذلوه من جهود مضنية جبارة في مختلف مناحي الحياة للحفاظ على كيان المجتمع، فسهل العمل للمصلحين ومكنهم من تمرير أفكارهم وبث مشاريعهم عن طريق تلك القنوات المهيكلة للمجتمع والموصلة للخطاب فيه.
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: (إن الفضل الأكبر لشباب نهضتنا يرجع إلى أولئك العلماء المصلحين فهم الذين ثقفوا الأمة، وأصلحوا نفوسها، وثقافة العقول فتحسن الإدراك، وإصلاح النفوس فتحسن العمل» (1).
إن هذا الكلام لا ينفي ما لاقاه المصلحون من معارضة شديدة على مستوى الجبهة الداخلية سواء من رجال العزابة أم الأعيان أم العامة، فإن ذلك يعد شيئا
(1) محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، المطبعة العربية، الجزائر، 1391 هـ/ 1971 م،
ج 2، ص 2.