معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٨١المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
249
طبيعيا في كل مجتمع آيل إلى حركة تجديد وتغيير، مع حرصه على الإبقاء على كيانه، وخوفه من الدخيل والغريب.
إذن فالحركة الإصلاحية في وادي ميزاب مدينة بقوة لجهود العلماء والعزابة السابقين الممهدين للإصلاح، ويكفيهم فخرا أن كل قادتها هم خريجو مدارس
هؤلاء العلماء والمشايخ ومعاهدهم، وأنهم من صنع أيديهم وبنات أفكارهم. حسب رأيي؛ إنه لولا هذان العاملان لما استطاعت الحركة الإصلاحية التمكن من النفوس والتحكم في المجتمع والبروز إلى واجهة الأحداث، ولما استطاعت أن تصل إلى ما وصلت إليه ميدانيا في تلك الفترة الزمنية القصيرة في حياة الأمم والشعوب، إذ لو ابتدأت من نقطة الصفر، وانطلقت من فراغ للزمها أضعاف الجهود المبذولة وأضعاف الأوقات المصروفة لأجل أن تبني مجتمعا وتسير به نحو نهضة إصلاحية وتجني ثمارها الحضارية.
في المقابل فإن ما ينبغي ذكره والإشارة إليه بوضوح كذلك أن أعلام الحركة الإصلاحية كانوا أوفياء حق الوفاء لأسلافهم ولمجتمعهم ولهيئاتهم العرفية، فلم يعرف عنهم يوما التنكر لتلك الأفضال، بل كانوا يؤكدون عليها في كل مناسبة، ويبينون للناس أن نجاحهم كان على أكتاف المرجال السابقين وما قدموه من تضحيات وجهود، وما فتئوا يؤكدون أن حركتهم الإصلاحية هي تتمة لما شرع في بنائه منذ أزيد من قرنين من الزمن، وأنها امتداد لذلك القبس من النور الذي أضيء ذات يوم من قبل.
إذن: نخلص بعد هذا أن النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب ذات جذور أصيلة وعميقة تحمل ثلاثة أبعاد متكاملة ومتداخلة فهي إسلامية في دينها وعقيدتها، وإباضية في فقهها وفكرها وميزابية في أعرافها، وعمرانها، كما امتزجت فيها المرجعية العلمية المتمثلة في جهود العلماء بالمرجعية الاجتماعية المتمثلة في جهود العزابة والأعيان؛ مكونة هذا المنتوج الجديد الذي عرف بالحركة الإصلاحية، أو
المدرسة الإصلاحية.