معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤252
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
الأوضاع والالتحاق بإحدى هذه الحواضر لمزاولة الدراسة بها وإكمال المشوار العلمي الذي ابتدؤوه في أوطانهم. إذ كانت تصلهم تباعا أصداء نشاطها العلمي وتمكن علمائها وتطور مناهج التربية والتعليم فيها عن طريق حركة التجارة ونقل البضائع بين الجزائر وتونس التي امتهنها عدد لا بأس به من الجزائريين، وعن طريق رحلات الحج والعمرة التي كانت تمر بالبلاد التونسية وتشهد كل ذلك الجو المفعم بالحركة العلمية والاقتصادية.
لذا فقد كانت الكثير من الأسر الجزائرية الميسورة الحال تبادر إلى إرسال أبنائها إلى هذه المدارس والمعاهد للتكوين فيها والنبوغ في علومها، والتخرج بشهاداتها وإجازاتها العلمية المعتبرة.
يقول الدكتور محمد صالح الجابري: «ولعل قرب مدينة تونس من الحواضر الجزائرية الشرقية … هو الذي اختصر كلفة الرحلة إليها، فتعدد المقبلون على جامع الزيتونة وعلى المدارس الأخرى التي تكاثر عددها خلال هذه الفترة.
وقد نبغ في رحاب هذا الجامع الأعظم مئات العلماء الجزائريين، وأسهموا في حركته العلمية إسهاما مرموقا، فكانوا من تلاميذه النبغاء ثم أصبحوا من علمائه ومدرسيه وفقهائه وخطباء منابره
(1)
ويقول الدكتور أبو القاسم سعد الله كانت تونس مقصد المهاجرين الجزائريين مستوطنين وعابرين، وهي بوابة الشرق لهم … ووجد الجزائريون في جامع الزيتونة موردا عذبا في الوقت الذي ضاقت فيه بلادهم من معلم حضاري مثله» (2)
لم يشذ شباب وادي ميزاب عن هذه القاعدة، بل كانوا يفكرون جديا في شد الرحال إلى هذه الأوساط رغم صعوبة التنقل آنذاك وظروف المعيشة القاسية التي
(1) الجابري: النشاط العلمي، ص 25.
(2) سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 5، ص 490 491.