معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٨٥المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
253
كانت تحول بينهم وبين مواصلة مشوارهم العلمي، مما يجعل الكثير منهم ينقطع في بداية الطريق أو في وسطه في أحسن الأحوال لينتقل إلى الحياة العملية تجارة أو فلاحة أو مهنا تحت ضغط الفاقة والمسؤوليات الأسرية والعائلية.
انطلقت هذه الحركة - بادئ الأمر - بصفة فردية؛ أتيحت لبعض الطلبة الذين توفرت لهم ظروف مساعدة، أو كان لهم طموح قوي، تحدوا به كل الصعاب للوصول إلى الهدف المنشود، ثم تحولت هذه الحركة مع مرور الزمن إلى حركة مؤطرة ومنظمة ثم إلى انشغال حملته المدرسة الإصلاحية واعتبرته أحد الجبهات التي ينبغي التصدي لها والعناية بها معنويا وماديا.
حيث تحملت على عاتقها مسؤولية هذه البعثات العلمية؛ بالنفقة عليها وتعيين مديريها والإشراف على إدارتها وضبط النظام فيها، وبإرسال الدفعات المتتالية من
الطلبة في كل سنة لمواصلة التكوين والدراسة في مدارس تونس ومعاهدها (1).
وذلك إيمانا منها بأهمية هذا الرافد الحضاري وحاجتها إليه في تطعيم وادي ميزاب بكوادر وإطارات تحمل روحا ونفسا جديدا تدفع حركة الإصلاح إلى الأمام في مسيرة نهضتها وتجديدها لدواليب المجتمع في كافة مناحي الحياة.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي في معرض حديثه عن دوافع فكرة البعثات الطلابية: « … فشعرت إذ ذاك بشدة حاجتها إلى عدة الكفاح، وهو التزود بالعلم الصحيح في صبغته الحديثة والتمرس بالعناصر الحية خارج حدود الوطن، لتأليف جيش مثقف يحمل راية الكفاح عن جدارة واستحقاق، ويجابه الحياة عن دراية وخبرة، ويستغلب على مشاكلها بسلاح العلم وقوة العقيدة. فأرسلت البعثات إلى تونس» (2).
(1) يراجع في ذلك الجابري: المرجع السابق، ص 98. دبوز: أعلام الإصلاح، ج 3، قاسم الشيخ بالحاج مقال بعنوان: أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية مجلة الحياة، الصادرة من معهد الحياة بالقرارة -
الجزائر، ع 9، 2005 م، ص 236 - 253.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 90.