معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

254

الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية

ويضيف الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: «ونحن إنما أسسنا البعثة تحت

تأثير ودوافع الحاجة الملحة إلى ذلك لما توجسنا من تطورات الحياة وشيكا بما تدفع إلى ميادينها الزاخرة أبناء المدارس والكليات والجامعات وخشينا نحن من الذوبان وتلاشي كياننا بصفتنا أمة لها كيانها وطابعها الخاص في الميدان الاقتصادي والاجتماعي بالقطر الجزائري شمالا وجنوبا، نحن نعد أنفسنا قد تأخرنا بيقظتنا عن الوقت اللازم (1)

لسنا هنا بصدد التأريخ لهذه البعثات العلمية – التي سيأتي الحديث عنها لاحقا - بقدر ما نحاول أن نفهم دوافع هذا الإنكباب على هذا الينبوع المتدفق، والنهل منه بنهم وبلا حدود.

لقد كان أول المستفيدين من هذا الينبوع العذب المستلذ لدى الحركة الإصلاحية قادتها وأقطابها، ويبدو أن إعجابهم بهذه الأوساط العلمية والسياسية وتأثرهم بها كان كبيرا جدا مما انعكس بقوة على شخصيتهم وعلى أفكارهم وعلى توجيههم للحركة الإصلاحية عموما.

فلقد هاجر كل من الشيخ أبي اليقظان والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ عبد الرحمن بكلي وغيرهم إلى هذه الربوع ومكثوا فيها مدة طويلة دامت عدة سنوات خالطوا فيها هذه الحياة بكل أبعادها، والتحقوا بمعاهدها - خاصة جامع الزيتونة (2) - وانكبوا على التحصيل فيها، وواصلوا مشوارهم العلمي، فجلسوا إلى علمائها ومشايخها وحضروا مجالسهم وحلق، علمهم واستفادوا من المناهج العلمية والتربوية، وما توصلت إليه تونس من إبداعات جديدة في هذا المجال.

لقد ابتدأت هذه البعثات في وقت مبكر جدا عند الميزابيين، ولعل أول بعثة جزائرية إلى تونس كانت بعثة ميزابية في سنة 1322 هـ / 1914 م، على إثر غلق

(1) أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان دار هومة تق وتع د. محمد ناصر، 2003 م. ص 14. (2) للاطلاع على نماذج من العطاء العلمي لجامع الزيتونة تراجع المجلة الزيتونية، من سنة 1936 م إلى سنة 1955 م، تسعة أجزاء، دار الغرب الإسلامي، دت.