معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح
257
بعد ذلك لا بد من الإشارة إلى أن هذا الرافد الخارجي للإصلاح وهذه النافذة التي أطل منها ليتنفس هواء يحمل أفكارا جديدة ونظرة مغايرة للحياة لم يستسغ بسهولة ولم يتقبل من الوهلة الأولى عند الكثير ممن كان يمثل الزعامة الروحية والعلمية والاجتماعية في وادي ميزاب من عزابة وفقهاء وأعيان، ومن تبعهم من العامة وانقاد لهم.
لقد تسبب هذا التفتح على العالم الخارجي في نشوب أولى حروب حركة الإصلاح ومعاركها على مستوى الجبهة الداخلية مع بعض قادة المجتمع، والدخول معهم في صراع فكري ومناطحات كلامية وكتابية.
إن الحركة الإصلاحية التي كانت تمر بمرحلتها التأسيسية في هذه الفترة الزمنية مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين نالها الكثير من التشويه والتعنيف ووصف أقطابها بمختلف أوصاف الضلال والزيغ والجحود بسبب مسألة توجيه الطلبة إلى تونس المواصلة تكوينهم وبسبب تأطيرهم للبعثات؛ التي كانت وراء تحفيز الأولياء لإرسال أبنائهم إليها والاندفاع وراء الفكرة والحماس لها.
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي في هذا الصدد: «فإذا بهؤلاء الجامدين حماة المذهب الشريف، وحراس الطابع القديم … يشنونها غارة شعواء على الإصلاح؛ فمن تحرير الرسائل ضدهم … إلى تقبيح خطتهم، وانتقاد أسلوب تعليمهم بالباطل في مجالسهم الخاصة والعامة، إلى التشهير بهم في دروسهم، والبراءة منهم من أعلى منابر المساجد، إلى تصويرهم في صورة طاعون جارف … إلى استفزاز العامة الساذجة باسم الدين وإقناعهم أن من أفضل الجهاد معاداة هؤلاء العصريين الملاحدة، وقطع الطريق عنهم» (3).
لقد كانت حجة المعارضين للفكرة أن بيئة تونس والعلوم التي يتلقونها. والأفكار التي تروج فيها تفسد أخلاق التلاميذ وطباعهم وتشوش على أذهانهم،
19
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 91 - 92