معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢٩١

المبحث الرابع: المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح

259

آراء ومن خطاب ديني يمكن أن يوسم بعض منظريه بالجمود على القديم والانغلاق عليه، وبالتزمت في النظر إلى الآخرين، وبالتعصب المذهبي.

ويبدو أن حركة الإصلاح قد استفادت من هذا الصراع وربحت نقاطا إضافية إلى صفوفها ووطدت من أركانها بسبب تحريك العقول والأقلام والأفواه للكتابة

والخطابة والرد والتوضيح والكشف عن خطها الفكري، ونهجها الإصلاحي. يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي في هذا المعنى: «على أن هؤلاء أحسنوا إلى الإصلاح من حيث أساؤوا إحسانا لا يقدر مداه. فقد حركوا ـ بإثارتهم نار الفتنة بين الأمة - أقلام كتاب الإصلاح فأرعفوها … شرحوا فيها المبادئ الدينية الصحيحة التي ارتكزت عليها حركة الإصلاح، وفندوا مزاعم أولئك المشاغبين التي الصقوها بالإصلاح زورا … فكان لهذه الحركة دوي فعال في الأوساط العلمية، ولهذا الصراع العنيف أثره البليغ في إثارة الفكر العام وتركيز الإصلاح وانتشاره في مختلف طبقات الأمة» (1).

لقد كشفت هذه الأحداث عن مدى محافظة هذا المجتمع وانغلاقه الداخلي على نفسه ورفضه لكل ما هو غريب خارجي مخالف للمذهب والأعراف والتقاليد والتهيب منه ولو كانت فيه مصلحة وخير، كما كشف هذا الصراع عن ذلك الحراك الاجتماعي الذي كان يعيشه وادي ميزاب بين التجديد والثبات على القديم، وكذا عن هذه المرحلة الانتقالية التي يمر بها من عهد الجمود إلى عهد التنوير، ومن عهد سيطرة أفكار الأشخاص إلى عهد سيطرة أفكار المدارس والمؤسسات.

إذن: يحق لنا أن نقول إن أفضال تونس على الجزائر عموما وعلى وادي ميزاب خصوصا أفضال عظيمة، لقد كانت مثال الينبوع المتدفق الذي تشرب من خلاله أقطاب الحركة الإصلاحية وكوادرها الفكر الإصلاحي في جانبه العلمي

(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 92 - 93