معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦264
الفصل الثالث: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: «فإذا قلنا الجمود فقد قلنا طليعة الاستعمار الغاشم؛ لأن الاستعمار درس نفسية هذا العنصر الأبله، الهادم لكيانه جهلا وغباوة، فاتخذه أداة لتنفيذ أغراضه، ونسف ما شيده أبناء هذا الوطن من معالم مجده، فهو غل الاستعمار الذي يشل به الأيادي العاملة، وقيده الذي يكبل الأرجل السائرة، وجيشه الذي يفرق به الجموع المحتشدة المتحدة» (1).
إذن: لقد أصبح خط الحركة الإصلاحية واضحا عندما اختارت هذه الجبهة للعمل والجهاد، وخاصة عندما نزلت إلى الميدان بمواقف وأعمال ومشاريع وحركت الشارع ولعبت اللعبة السياسية مع المستعمر وأجادتها، فانتصرت عليه أحيانا وفوتت عليه الأمور والفرص أحيانا أخرى.
بذلك فتحت لنفسها بابا جديدا آخر للصراع على مستوى الجبهة الخارجية المتمثلة في المستعمر وعلى مستوى الجبهة الداخلية المتمثلة في أذنابه من بعض القياد“ والأعيان، بالتواطؤ مع بعض الشيوخ والعامة الدهماء، كما وضعت نفسها تحت المحك الحقيقي، وتحت أعين السلطات الاستعمارية، فوجهت أنظارها إليها، وسلطت أضواءها عليها، فأصبحت محل مراقبات مستمرة، ومحل شبهات وتساؤلات عن كل ما يصدر عنها من أعمال وتحركات، كما أصبحت تتعرض لمختلف المضايقات والمساءلات والمتابعات والعقوبات (2)
تسبب ذلك في التمايز البين بين التيارين الموجودين في وادي ميزاب - تيار المحافظة وتيار الإصلاح وفي اتساع الفجوة بينهما، وتصدع جدار الوحدة في المجتمع، وإعلان الدخول في عهد جديد لوادي ميزاب هو عهد الصراع الداخلي والتناطح الفكري والتدافع الحضاري لمحاولة إثبات كل فريق أحقيته بوادي ميزاب وقوته في تأطير الجماهير وضمهم إلى صفوفه وتبني خطه الفكري.
(1) المرجع نفسه: ص 91.
(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 90 - 103.