معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣١٦284
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
مني به العالم الإسلامي من الاستعمار بسبب تخلفه وقابليته للاستعمار، وما حرص عليه المستعمر من حرمان الشعوب من مختلف حقوقها وإذلالها وإذكاء الفتن في أوساطها وإبقائها على جهلها، فكانت هذه السياسة الحاقدة الماكرة عاملا قويا على أن تولد المقاومة في النفوس وتولد الإرادة على التحدي والمجابهة، وتولد العزيمة على التغيير والإصلاح والنهضة، وتولد الثورة على انتزاع الحقوق بالقوة، ثم الثورة على استرداد الوطن وطرد المستعمر نهائيا (1).
يقول الأستاذ مالك بن نبي مشيرا إلى هذا الدور الإيجابي للاستعمار من حيث لا يدري ولا يشاء .... ولكن ذلك يدفعنا إلى أن نحسبه شرا كله، بل إن خيرا قد حققه الله على يديه من حيث لا يدري، فإن كان بطشه انتقاما ففي طياته رحمة … ولنتأمل: ما الذي بعث العالم الإسلامي من نومه؟ … إنه الاستعمار، إنه قد خلع عنا بابنا وزعزع دارنا وأخذ منا أشياء ثمينة» (2).
4 - الفقهاء والمشايخ الجامدون لقد ابتليت الأمة في وادي ميزاب وفي سائر العالم الإسلامي في مرحلة ركودها بمرض الجمود على القديم والتشبث به ورد كل ما هو جديد بدعوى معارضته للدين والأعراف والتقاليد.
حيث جثم على صدرها في كل قرى وادي ميزاب بعض من الشيوخ والفقهاء والأعيان الذين وصلوا إلى سدة المجتمع ومراكز القرار وفق ظروف وأوضاع خاصة، امتزج فيها رأي العشيرة والقبيلة برأي الدين والسلطة.
نال بعض هؤلاء الشيوخ أقساطا متواضعة من علوم الدين واللغة، فتحولوا إلى فقهاء ثم إلى مشايخ بيدهم الحل والعقد ونظرا لحاجة المجتمع إليهم ولنقص العلم ولجملة من الظروف الاجتماعية ومراعاة التوازنات الداخلية بين العشائر
(1) بن نبي: شروط النهضة، ص 149 - 159.
(2) بن نبي: شروط النهضة، ص 153.