معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣١٧285
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح والقبائل وجدوا أنفسهم في صدارة المجتمع يمسكون بناصيته ويشرعون له ويتكلمون باسمه في أمور الدين والدنيا، ويحددون سياسته ونظرته وفلسفته في شؤون الحياة.
تعلم بعض هؤلاء الشيوخ الفقه دون ربطه بالوعي، وتعلموا الشريعة دون ربطها بالمقاصد، وتعلموا الدين دون إدراك أبعاده الواقعية، كما ورثوا الوصاية على المذهب الإباضي وسير الأجداد بصورة اعتقدوا أن الحفاظ عليها يقتضي الانغلاق الداخلي وإيصاد الأبواب أمام أي جديد من علوم العصر ومبتكراته.
قاد بعض هؤلاء الشيوخ المجتمع بسياسة النعامة في إدخال رأسها في التراب بدل مواجهة المخاطر والنوازل والتفاعل الإيجابي المسؤول معها، فعطلوا بذلك عجلة التنمية والتطور والتجدد في المجتمع، وأخضعوه لأمر الواقع واستسلموا للمستعمر، وجمدوا على الفهم البالي للدين وعلى النظرة الساذجة السطحية للأمور، ومنعوا الاجتهاد ومواكبة العصر.
شكلوا بهذا التوجه جداراً مانعا أمام تقدم المجتمع وتطوره، وكانوا فعلا حجر عثرة أمام الحركة الإصلاحية منذ ميلادها وطوال مسيرتها.
أفهموا العامة من خلال الخطاب المسجدي أن هذه العلوم المعاصرة والمخترعات كفر أو من صنع الكفرة والمشركين، وأن التجديد في الدين هو تفتح على المذاهب الأخرى، وتخل عن المذهب الإباضي الموروث، وترك لسير الأجداد والمشايخ). هذا ما جعل جمهور المجتمع ينقاد لهم وينصت لكلامهم ويتبع طريقهم ويعارض طريق المصلحين الناهضين بالأمة. كانت هذه النوعية من الفقهاء المتحكمة في رقاب الناس عن طريق منابر المساجد والهيئات العرفية عاملا ودافعا قويا لأن يثور عليها ثلة من الشباب المصلح
(1) حول الصراع بين القديم والجديد في وادي ميزاب ينظر كتاب اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمين، كله. أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، كله.