معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٢١289
المبحث الأول: عوامل قيام الإصلاح الحضاري والصراع العسكري بين القوى الكبرى في العالم، حيث كانت تدافع عن أوطانها وتنافح عن كرامتها وتبذل من أجل حريتها كل غال وعزيز. كما كانت تدفع بشبابها إلى ميادين الحروب والقتال، وتحبس اقتصادها لأجل تمويل جيوشها ومعسكراتها، وتنفق من خزائنها الأموال الطائلة لأجل التسلح والإعداد والتدريب دفاعا عن الوطن والحرية والشرف والكرامة.
عاينت الشعوب المستعمرة كل هذه الأحداث وتعلمت كل هذه الدروس وعلمت أن استرداد الوطن أمر عظيم جلل يهون أمامه كل شيء، وعلمت أن ذلك لا يتأتى إلا بعزائم عظيمة وإرادة صلبة وجهود جبارة على مختلف الأصعدة، وبتعبئة عامة لشرائح المجتمع حتى يقوم بهذا الواجب العظيم.
هذا ما يستلزم قيام حركة إصلاحية نهضوية شاملة لكل مناحي الحياة ليستفيق هذا المجتمع من سباته ويجمع شتاته ويدخل في دورة الحضارة من جديد، حتى له أن يعرف قيمة الوطن ومعنى الحرية، وليكون في مستوى تلك التضحيات التي تبذلها هذه الشعوب الغربية من أجل أوطانها.
يتسنى
كانت هذه الحرب العالمية سببا في أن يقدم الاستعمار الفرنسي على تجنيد آلاف الجزائريين للقتال في صفوفه ويدفع بهم إلى ساحات المعارك، وهم يعتقدون أنهم يشاركون في حرب لا تعنيهم ويدافعون عن وطن ليس بوطنهم، هذا ما نمي فيهم الوعي ومكنهم من تجربة قاسية مريرة عايشوها ونقلوا ذكرياتهما معهم إلى الجزائر، ونقلوا ما شاهدوا من حضارة أوربا وتقديسها للحرية والعلم والعمل وعلموا أن سر تطورها يكمن في تلك العوامل.
تيقنوا أن نهضة شعوبهم وتطورها لا بد أن تمر عبر هذا الطريق لا غير، فلا بد من الأخذ بأسباب التمكين من العلم والعمل والوحدة ونبذ الجهل والكسل والتفرق، حتى تتقوى الشعوب وترفع راية النضال والجهاد في وجه هذا المستعمر للتحرر من بوتقة الاستعباد والمهانة، كما رفع راية الحرب في وجه الألمان الخطر
المحدق والمهدد له وللحلفاء.
21.