معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٣٤302
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي محددا معنى التجديد في الفكر الإصلاحي ونافيا الجمود والتقليد: التطور حسبما تسمح به الظروف مسايرة لقافلة الحياة، وعدم الجمود على أسلوب واحد فيها ضروري، والبقاء على حالة واحدة ينافي سنة الحياة، لكن بشرط أن لا يخرج ذلك من دائرة الدين الحنيف» (1). تيقنت قيادات النهضة الإصلاحية من الوهلة الأولى بضرورة تغيير هذا الأمر ومن ضرورة زحزحة هذا النوع من الفكر الفاسد من على طريق نهضتها وإصلاحها مهما كانت التكاليف؛ ولو أدى ذلك إلى نوع من القلاقل الاجتماعية التي قد لا تحمد عقباها، وتيقنت أن جهودها نحو الإصلاح الشامل لن تؤتي ثمارها ما لم تزل هذه العقبة من الطريق، وما لم يزحزح هذا الفكر من على منابر المساجد وصدارة العشائر ورأس الهيئات الدينية في وادي ميزاب
يعبر الشيخ عبد الرحمن بكلي عن عرقلة هذا التيار لجهود الإصلاح بقوله: «مما يدل أيضا على أن الجمود كان ولا يزال حجرة عشرة في سبيل نهضة البلاد وتقدمها، وأنه الخادم لركاب الاستعمار والمنفذ لأغراضه، سواء شعر بذلك أم لم يشعر، موقف رؤسائه إزاء كل حركة إنشائية في الأمة، وإن استيقنت نفوسهم صلاحها، ومناهضتهم لدعاة الحياة فيها، وإن باركوا أعمالهم ومدحوا سيرتهم، لا
فرق في ذلك بين الرؤساء المتقدمين والمتأخرين» (2).
في حقيقة الأمر لم يكن هذا التغيير بالأمر السهل على رجال النهضة الإصلاحية، بل عانوا في ذلك الكثير، كما أنهم انتظروا وصبروا وصابروا لأجل أن يتولى الزمان زحزحة بعض الوجوه البارزة المؤثرة في هذا التيار، كما نالهم الكثير من الابتلاء في أعراضهم وأجسادهم بسبب مجابهتهم لهذا التيار ودخولهم معه في معارك ومنازلات طاحنة استغرقت مدة زمنية طويلة، خاصة عندما كانت النهضة في بداية مسارها خلال العشرينيات واستمرت معها طوال عهدها (3).
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 25 - 26. (2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 97.
(3) للاطلاع على نماذج من الصراع بين الإصلاح وخصومه من تيار الجمود ينظر: دبوز: أعلام الإصلاح،