معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨306
الفصل الرابع: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية
فكانت أحيانا تجابه المستعمر علنا وأحيانا تفضل مراوغته وأحيانا تختار طريق مهادنته، وأحيانا تظهر له خلاف ما تبطن فتعلمت من كل ذلك مع مرور الزمن الكثير من الأساليب السياسية وتزودت بالكثير من الحنكة والفطنة والكياسة، التي جعلتها تتميز عن قيادة التيار الجمودي الذي عرف بعض عناصر لدى المستعمر بالغباوة والسذاجة والطاعة لأوامره والانقياد لها، وبعدم التفطن لمكايده، وبمقدرته اللعب والضحك على عقول بعض قادته وسادته.
يقول الدكتور محمد ناصر بوحجام عن هذه السياسة التي انتهجها قادة الحركة الإصلاحية في التعامل مع المستعمر: من بين القواعد التي طبقها الشيخ بيوض في نضاله الوطني المرونة في التحرك السياسي وأسلوب المراوغة مع المستعمر، لقضاء بعض المآرب وبلوغ بعض الأهداف الوطنية، ولأن الظروف لم تكن أبدا لصالح الوطنيين من جميع الجوانب، وكانت العواصف السياسية تعصف بالمجتمع الجزائري من كل النواحي، والحواجز كانت كثيرة في طريق العلماء المصلحين» (1).
إن اختيار زعماء الحركة الإصلاحية لسلوك هذا الطريق ونصرة هذا الهدف رسم صورة للصراع المرير بين المصلحين وبين الاستعمار وأذنابه، فشهدت الحركة الإصلاحية معارك حامية الوطيس لأجل محاربة المفاسد المجاهر بها كالخمور والدعارة وسلب الأموال وإشاعة الفتن وبث العصبيات بين الناس، كما شهدت فصولا مريرة من الصراع لأجل محاربة أذناب الاستعمار من القياد“ المفسدين والأعيان المتجبرين المتواطئين مع بعضهم البعض.
كانت نتيجة ذلك ابتلاءات متلاحقة لأعلام الإصلاح وقادته من الشيوخ والعزابة والأعيان المناصرين له؛ أدت بهم إلى الحبس والتعذيب والتغريم والطرد والتقتيل (2)
(1) محمد ناصر بوحجام الشيخ إبراهيم بيوض والعمل السياسي، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، 1412 هـ/ 1991 م، ص 26. (2) للاطلاع على أمثلة من الابتلاءات والامتحانات التي أصابت قادة الإصلاح ينظر: دبوز: أعلام