معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٥٧

المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح

325

يقول الشيخ أبو اليقظان مخاطبا أحد رموز هذا التيار مبينا أهمية هذه العلوم وخطر افتقادها على الأمة: «بتلك العلوم الدنيوية استولت أوربا عليك وعلى بلادك، استيلاء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وصيرتك عبدا مأسورا مسلوب الحرية، هذه الحرية التي هي أنفس شيء خلقه الله لك، وقيدت أرجلك عن السير، ويديك عن العمل ولسانك عن النطق، بل دخلت في دماغك فحجرت عليك التفكير، وفي قلبك فنزعت منه الصدق والإخلاص والغيرة، وفي نفسك فأزاحت منها العزة والنخوة حتى صيرتك … كأنك تتكلم عن لسانها وتعرب عن رغائبها ضد نفسك وأمتك ودينك ووطنك وأنت مع هذا تحسب أنك تحسن صنعا).

كان عمدة الحركة الإصلاحية لتجسيد هذه الفلسفة التعليمية هو تأسيس وفتح المدارس والمحاضر والمعاهد والنوادي وحلقات العلم، لتكوين أجيال المجتمع والتدرج معها في مراتب التحصيل العلمي، وتوسيع معارفها بإرسال بعثات علمية إلى البلدان الإسلامية المجاورة، وبرعاية الكفاءات العلمية بعد إكمال تكوينها بفتح فرص التعليم والدعوة والخطابة أمامها (2).

كما تجسدت هذه الفلسفة بتحويل منبر المسجد إلى أداة لنشر العلم وتثقيف شرائح المجتمع ممن فاتته فرصة التعليم أو لم تسمح ظروفه للجلوس في مقاعد الدراسة، بتناول منبر المسجد مختلف المواضيع والقضايا وهموم الناس، وشرح أمهات الكتب في مختلف فنون العلم الشرعي من حديث وفقه وتفسير. وكذا بفتح حلقات العلم في المسجد لكل من يريد أن يتزود أو يستفيد من عموم الناس، في أطراف اليوم، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.

بذلك أصبحت المساجد في وادي ميزاب في عهد الحركة الإصلاحية جامعات شعبية مفتوحة أبوابها للتكوين والتحصيل وإشاعة الثقافة والمعرفة بين الناس (3).

(1) أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص 14 - 15.

(2) دبوز: نهضة الجزائر، ج 3، ص 119 - 177.

(3) سكحال: الشيخ بيوض ومنهجه في الإصلاح، ص 135 - 138.