معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٦٣

المبحث الثالث: الركائز الفكرية للإصلاح

331

كان لابد للحركة الإصلاحية أن تحارب فكر الجمود والتقليد والنظرة الضيقة الساذجة إلى شؤون الحياة وأن تجابهه بفكر متفتح في قالب خطابي معاصر ينظر إلى الأمور بنظرة فاحصة عميقة نابعة من المقاصد الشرعية والمصالح المرسلة للأفراد والمجتمع. وأن تصب ذلك وتبلغه للمجتمع في دروس التوعية المتكررة والمستمرة حتى يفهم ويقتنع ويتحول من الفكر القديم إلى الفكر الجديد.

لتجسيد هذه الركيزة الفكرية الرابعة عمل رجال الإصلاح على توظيف مختلف قنوات المجتمع لرفع الجمود والانزواء والأفكار الخاطئة وتوجيهه وتوعيته وتصحيح مفاهيمه حول الدين والحياة.

كانت منابر المساجد تصدح بالدروس التي توجه الناس وتعلمهم وتفهمهم واجباتهم ومسؤولياتهم وترفع عنهم غشاوة الجهل والانغلاق، وتصحح مفاهيمهم وتحارب الأباطيل والخرافات والتفاهات وتفتح عقولهم على حقيقة الدنيا ورسالة

المسلم فيها، وتدفع بهم إلى صالح الأعمال ونافع الفعال.

يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي عن دور المسجد في القيام بواجب التوعية والتوجيه: ترقية الوعظ والإرشاد في المساجد، وإيقاظ الوازع الديني في النفوس ضرورة لإصلاح المجتمع، لأن المساجد قلب الأمة الذي يوزع عليها دماء الحياة، ويشيع في جسمها حرارة الغيرة والوطنية، وتربط صلة العبد بربه، حسن سمت المرء أساس سعادته» (1).

كما نزل رجال الإصلاح إلى ساحة المجتمع في السوق والشارع والحقل والعرس والمأتم ليكلموا الناس عن دورهم وواجباتهم في الحياة، ويوجهوهم ويوعوهم وينيروا عقولهم بالأفكار الحية الفاعلة، ويحاربوا فيهم الأفكار الميتة البالية.

يرسم الشيخ عبد الرحمن بكلي فلسفة الإصلاح للعيش في الحياة بقوله: الزهد في الدنيا إنما هو في اجتناب المنهيات وتجافي المحرمات، أما خوض غمار

(1) بكلي، مسيرة الإصلاح، ص 23