معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٧٢

340

الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته

أن تكون كل الهيئات والمؤسسات الاجتماعية مرتبطة ارتباطا وثيقا ومباشرا بالمسجد، مستمدة منه الفكرة والروح والمنهج ووسيلة العمل، وعملوا على أن يكون المسجد هو المؤسسة الاجتماعية الأولى من حيث الأهمية والتأثير والتحكم في كل شاردة وواردة.

بذلك أضحى المسجد يمثل القلب النابض للمجتمع، يدفع في شرايينه دم الحياة الذي يتحول إلى أعمال وبناء وإصلاح ونهضة. في حقيقة الأمر إن هذه الفلسفة المسجدية، التي جعلت المسجد يتربع على سدة المجتمع لم تكن وليدة الحركة الإصلاحية، بل كانت موجودة لدى إباضية الجزائر منذ فترة زمنية طويلة، ولعلها تعود إلى تاريخ سقوط الدولة الرستمية (1) بتيهرت سنة 296 هـ وما بعدها، وإنشاء نظام العزابة خلال القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي. حيث أصبح المجتمع يحتكم إلى الهيئات العرفية، وعلى رأسها حلقة العزابة، التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمسجد في كل مهامها وصلاحياتها؛ حتى هذا المجتمع بالمجتمع المسجدي. إلا أن ما فعلته الحركة الإصلاحية هو دعم هذا التوجه، وإعادة بعثه من جديد؛ بتفعيل دور المسجد، واسترداد قوة تأثيره وإسماع صوت منبره. الذي نستطيع أن نقول عنه إنه قد ضعف وانكمش والمحسر بسبب تقلبات الأوضاع العامة الداخلية والخارجية التي مر بها إباضية الجزائر في وادي ميزاب خلال هذه الفترة الزمنية والتي قبلها، كما بينا ذلك سابقا.

سمي.

يوضح الشيخ عبد الرحمن بكلي دور المسجد في فلسفة الحركة الإصلاحية بقوله: «المساجد قلب الأمة الذي يوزع عليها دماء الحياة، ويشيع في جسمها حرارة الغيرة والوطنية، وتربط صلة العبد بربه» (2).

(1) يراجع في تاريخ الدولة الرستمية: ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين، كله. إبراهيم بجاز: الدولة

الرستمية، كله.

(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 23.