معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٧٦

344

الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته

لا شك أن المغزى من محورية المسجد للبلد هو مساعدة الناس ودفعهم لاتباع المنهج الرباني والاقتداء بالطريق المحمدي في كافة مجالات حياتهم وتوفير الجو الملائم لصلاحهم وحفظهم من الانزلاقات.

يوضح الشيخ بيوض هذه الفكرة بقوله: ليس من واجبنا أن نقود الناس بالسلاسل إلى بيوت الله، ولكن يجب أن نوفر لهم أسباب التعلق بها، فهذا معهد يحتضن طلبة العلم، وتلك كتاتيب يتردد عليها الصغار والعوام صباح مساء، وهناك إلى جانب المصلى صحن فسيح يساعد المصلين على ربط علاقاتهم الاجتماعية، وتنسيق مصالحهم الدنيوية، وفوق ذلك رحاب المسجد العامرة بالذكر والعبادة، مما يكون له الأثر الفعال في طهارة وسلامة القلب» (1).

ومن الفلسفة المسجدية للحركة الإصلاحية الحرص على إبقاء المساجد بعيدة عن التأثيرات الخارجية من الجهات الحاكمة أو صاحبة النفوذ السياسي أو المادي المحافظة على استقلالية خطابها الدعوي، واستقلالية مواقفها وقراراتها مما

وضرورة

يقع من أحداث، ومسؤوليتها في مراقبة المجتمع وتوجيه النصح والموعظة له وتعزير من يخالف أوامر الله تعالى وإجماع المسلمين ومصالحهم العامة التي ارتضوها واتفقوا عليها؛ حتى تصبح المساجد فعلا المرآة العاكسة للمجتمع، المقومة لمساره والمصححة لأخطائه، وحتى يكون باستطاعتها الصدح بكلمة الحق في الوقت المناسب، وعدم السكوت عن الباطل أو الركون إلى الحياد (2).

لقد أجهد علماء الإصلاح أنفسهم كثيرا في سبيل الحفاظ على استقلالية مساجدهم ودفع الضغوطات والولاءات المختلفة عنها، ولم يكن ذلك بالأمر الهين ولا السهل عليهم، حيث كانت الكثير من العوائق في الطريق تنأى عن بقاء هذه المساجد مستقلة، ولعل أهمها طبيعة المجتمع المشكل من العشائر والقبائل، وكذا أجهزة الحكم الاستعماري ورجال نظامها من القياد" والحكام العسكريين الذين

(1) بيوض: حديث الشيخ الإمام، حل 1، ص 27.

(2) بيوض المجتمع المسجدي، ص 8255.