معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٧٧المبحث الأول: مؤسسة المسجد
345
سعوا كثيرا لخنق صوت المسجد ومحاصرة دوره ورفع يده عن المجتمع، بمتابعة المشايخ والعزابة وملاحقتهم، وإذكاء نار الفتنة بين الأهالي.
مع ذلك ورغم الخروقات العديدة المتكررة لهذه الاستقلالية، إلا أن المسجد في الغالب الأعم حافظ على توازنه وعلى دوره المحوري في المجتمع.
في الحقيقة يعد هذا الأمر مكسبا ثمينا لإباضية الجزائر طوال فترة الاستعمار الفرنسي، حيث كان ذلك ضمن شروط معاهدة الحماية التي أبرمت السلطات الاستعمارية سنة 1269 هـ / 1853 م، فمما نصت عليه عدم التدخل في الشؤون الداخلية للمجتمع الميزابي. التي من بينها تسيير المساجد بإشراف حلقات العزابة التي كانت تتولى تعيين القائمين عليها من مشايخ ووكلاء وأيمة ومؤذنين وغيرها من الوظائف (1).
(2)
لعل هذا الأمر يعد استثناء خاصا للميزابيين على مستوى الجزائر، إذ من المعلوم أن السلطات الاستعمارية أصدرت العديد من القوانين التي صادرت من خلالها الأراضي الوقفية والأملاك التابعة للمساجد والزوايا، كما أصدرت قوانين سمحت لنفسها بموجبها تعيين القائمين على المساجد استمرت هذه الحال طوال الفترة الاستعمارية، إلا أنه بعد استقلال الجزائر طرأت ظروف جديدة تمثلت في تنظيم الدولة لقطاع الشؤون الدينية كغيره من القطاعات، في إطار إرساء قواعد الدولة وفكرة المواطنة، فكان التفكير في إلحاق هذه المساجد بالوزارة الوصية، وجعل موظفيها تابعين لقطاع الوظيف العمومي معينين من السلطات الرسمية. انشغلت قيادات الحركة الإصلاحية بهذا الأمر وتحركت على كل الاتجاهات وبذلت جهودا مضنية لأجل رد هذه المحاولات وإيقاف هذا المنحى السياسي لبعض الأشخاص والجهات في الدولة وفي حزب جبهة التحرير الوطني.
(1) يراجع المبحث الأول من الفصل الأول حول الأوضاع السياسية لإباضية الجزائر، ص 31 - 55. (2) أحمد الخطيب: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر، ص 51.