معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٣٨١المبحث الأول: مؤسسة المسجد
349
بذلك حول أعلام الحركة الإصلاحية المسجد في عهدهم إلى مركز إشعاع علمي وثقافي وحضاري وجامعة شعبية مفتوحة الجميع أفراد المجتمع ومختلف طبقاته وشرائحه يؤمه كل الناس ويتعلمون منه دروس الحياة والدين
هكذا أضحى المسجد فعلا في عهد الحركة الإصلاحية محرك النهضة، وقائد المجتمع نحو التغيير، ومؤسسته الأولى في زرع أي فكرة صالحة ومحاربة أي فكرة فاسدة والقضاء عليها واجتثاثها نهائيا من جسده، فبواسطته بني المشروع
الإصلاحي وعلا صرحه وأقيم المجتمع الإسلامي الأصيل المتفتح على عصره. بواسطة هذا المنهج وهذه الفلسفة المسجدية تمكن أعلام الإصلاح من تحويل المجتمع برمته إلى قبلة المسجد، وتحويل المدينة برمتها لتكتسي جوا مسجديا باهرا ورائعا يكاد يكون في بعض المناسبات اعتكافا جماعيا، حتى تكاد تفرغ أزقة المدينة من المارة، إلا من أصحاب الحاجات والمصالح الضرورية.
يصف المؤرخ محمد علي دبوز حال بلدة القرارة معقل الإصلاح الأول في عنفوان عهد الشيخ بيوض وعنفوان نشاطه الدعوي الإصلاحي؛ خاصة في شهر رمضان بقوله: إن المدينة كلها في رمضان - سيما في القرارة - رجالها ونساؤها يسارعون بعد الفطور إلى المسجد ليظفروا بالأماكن قبل اكتظاظه على سعة المسجد وكبره. إن رئيس كل أسرة والرئيسة في كل دار حريصون على حضور كل أبنائهم وبناتهم لدروس الشيخ بيوض … وترى الدرس يستمر في بعض المواسم والأعياد ثلاث ساعات وأكثر والناس خاشعون أمامه يصغون إلى الدرس بقلوبهم وعقولهم (1).
لقد تعاون علماء الحركة الإصلاحية ومشايخها وأعيانها جميعا على تجسيد هذه الفلسفة المسجدية عمليا بتحملهم المهام الدينية والاجتماعية في بلداتهم على مستوى حلقات العزابة ومجالس العشائر والأعيان وإمامة الناس في الدين كل
(1) دبوز نهضة الجزائر، ج 1، 199 - 202.