معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٣٨٢

350

الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته

حسب قدراته وكفاءاته وخبراته، وتقاسموا المسؤوليات ووزعوا الأدوار، وأبلوا بلاء منقطع النظير، في سبيل خدمة دينهم ونصح مجتمعهم. فلم يقتصر العمل على أفراد معينين، أو على نخبة منهم دون البقية، بل إن الحركة الإصلاحية استطاعت أن تحقق مشروعها وتصل إلى أهدافها وتجسد أفكارها في أرض الواقع بتضافر جهود الجميع، وبقدرتها على إلقاء فكرتها إلى الجماهير، وقدرتها على إقناعه باحتضانها والعمل على إنجازها في الميدان.

بل إن الرجال الأفذاذ من الأعيان وأصحاب الرأي والمشورة ورجال المال والأعمال والرجال البسطاء والنساء عموما قد قامت على سواعدهم وكواشلهم جميعا هذه الحركة الإصلاحية، وبفضلهم تحولت إلى إنجازات وأفعال ولم تبق

محصورة في النطاق الفكري النظري.

إلا أنه مع ذلك ينبغي الاعتراف بتفاوت الأدوار وتباين الجهود في تحمل المسؤوليات العظيمة والخطيرة في هذا المشروع الإصلاحي الشامل الذي شهده وادي ميزاب، إذ ينبغي الاعتراف بالدور القيادي العظيم الذي قام به زعيم هذه الحركة الشيخ بيوض إبراهيم، الذي كان بالفعل محور كل هذه النهضة ومحركها وسندها ومرجعها الفكري والشرعي والاجتماعي، ومحرك كل أفعالها وأنشطتها، والناطق الرئيس باسمها والمعبر عن آرائها والمتخذ لمواقفها والممثل الشرعي لها، والصدر الأمامي الأول المتلقي لكل السهام الموجهة إلى حركته من الجهات المعادية لها من الاستعمار الفرنسي وأذنابه ومن حزب الجمود وأنصاره.

إن هذه الشخصية العظيمة التي ظهرت عند الشيخ بيوض، وهذه المواصفات القيادية النوعية العالية التي اجتمعت في شخصه جعلت الجماهير الإصلاحية في وادي ميزاب ترتبط به أيما ارتباط و تتمسك به أيما تمسك وترى فيه القائد القدوة

الفذ للأمة الموحد لصفها والموجه لمسارها والحامي لنهضتها والإمام لدينها. يمكن تحديد أهم هذه المواصفات في قوة الشخصية، والفصاحة والبيان وحدة الذكاء، وسعة المعرفة والوعي بالمتغيرات والمستجدات، ومواكبة